- مستقبل دبي في بيت الحكمة الجديد(PDF)
الحنين إلى الإرث التليد والحسرة على الماضي المشرق موال متصل على كل لسان عربي، يأسى ولا يتأسى، رغم أن الأسلاف ما حققوا تلك الأمجاد التي نفاخر بها بالنقمة والنقد والكلام المرصع بالاحلام، وإنما بالهمة العالية والجد والعمل والسعي الى العلم ولو كان في الصين.
فهذا ما فعله العباسيون في بغداد الرشيد، والأمويون في الاندلس منذ قرون خوالٍ، وهو نفسه ما تفعله الإمارات اليوم بين ظهرانينا: بناء حضارة عربية متجددة تأسيسا على أجمل وابقى عناصر حضارتها العربية الاسلامية والانطلاق بقوة العزيمة وطاقة الابتكار نحو المستقبل بثقة ووحدة كلمة ورشد قيادة.
وبقدر ما كانت العقلية الحضارية المنفتحة على الآخر والهاضمة للثقافات المتنوعة لصالح بناء وإثراء حضارة ذات طابع عربي اسلامي معاصر ومستقبلي لا يحيد عن جذوره وهويته سمة لعصر هارون الرشيد والمأمون، بقدر ما تفعل دبي اليوم وتنجح في مسعاها، يوما إثر يوم وبلا سقف إلا السماء.

إن عقول العالم الأكثر ذكاءً وحكمة وعلماً، في شتى ضروب المعرفة العلمية والتقنية بالذات، ستجتمع وتبدع في دبي.
هذا استنباط واثق من جملة المعاني والدلالات التي تجلت أول من أمس في دبي، حينما أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، خلال اطلاقه «مؤسسة دبي للمستقبل» أن النظر للمستقبل واستشرافه وصناعته لم يعد مفهوماً نظرياً، وإنما هو عامل أساسي لضمان بقاء الدول في دائرة التنافسية العالمية.
ولقد كان سمو محقا حينما قال «دبي تمتلك البنية التحتية المتطورة، والقوانين التشريعية المناسبة التي تؤهلها لتكون مركزاً عالمياً لصناعة المستقبل على صعيد المنطقة والعالم، كما أن استشراف المستقبل ليس عليها بجديد، ولها من التجارب والمحطات المهمة في مجال الطيران والتجارة والخدمات المالية والتكنولوجيا ما يثبت ذلك».
جذور الفكرة
أشار سموه إلى أن العرب والمسلمين أسسوا بيت الحكمة في القرن التاسع الميلادي، ليكون نموذجاً عالمياً ومنارة للعلوم، وجامعاً للمبتكرين من شتى بقاع الأرض، واليوم نحن بأمس الحاجة لبيت للحكمة في القرن الحادي والعشرين، نعيد به أمجاد الماضي، نواكب المتغيرات ونستشرف عبره المستقبل، ونصنعه ونبتكر لخدمة الإنسانية.
وأردف سموه «ها نحن نقف اليوم بعد أكثر من ألف سنة لنعيد إحياء بيت الحكمة، عن طريق مؤسسة دبي للمستقبل، لنشكل بها منارة للعلوم وجامعة للعقول».
وأعلن سموه عن إطلاق مؤسسة دبي للمستقبل، كمؤسسة وقف بحثي مستقلة، واعتماد سموه «لأجندة المستقبل» كإطار عمل استراتيجي لعملها. وتابع سموه «نطلق اليوم مؤسسة دبي للمستقبل، ونتطلع لمرحلة جديدة تلعب فيها المؤسسة الجديدة دوراً محورياً في استشراف وصناعة المستقبل في إمارة دبي، كما أطلقنا أجندة دبي المستقبل لتعمل المؤسسة عن طريقها وبالتعاون مع جميع الجهات الحكومية والخاصة».
مختبرات المستقبل في دبي
وأوضح سموه «وجّهنا الجهات الممثلة في المؤسسة بتأسيس مختبرات للمستقبل، لتحليل التحديات الاستراتيجية المستقبلية للقطاعات المختلفة، وابتكار نماذج وحلول وتكنولوجيا لحل هذه التحديات بالشراكة مع الشركات والمؤسسات البحثية العالمية».
وأشار سموه إلى أنه وجّه بإنشاء حاضنات المستقبل «لنعيد ابتكار دور حاضنات الأعمال، ونفعل دور الشركات الناشئة في مجال استشراف المستقبل، ودعم توجهات الحكومة في القطاعات المختلفة».
مليار درهم وقف للمشروع
إن مشروعا كهذا لا يقل فطنة وبصيرة مما فعلته الولايات المتحدة الأميركية منذ بدايات القرن الماضي وما تزال تفعله، حينما تستقطب العقول الجبارة والعبقرية من شعوب العالم وفي مختلف ميادين العلم المهمة، فتقوم برعايتهم وتبني انتاجهم الفكري ومشاريعهم وابتكاراتهم العلمية والتقنية المميزة تعزيزا لرصيدها المفجر للطاقات والموارد والفرص التي تضع الدولة في موقع الريادة والتقدم على غيرها. وهذا تحديدا ما افلحت فيه اميركا.
ولذلك فلقد اعتمد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إنشاء صندوق وقف المستقبل بقيمة مليار درهم وضمه للمؤسسة، وذلك للاستثمار في الابتكار وصناعة المستقبل، ضمن القطاعات ذات الاهتمام الاستراتيجي لدولة الإمارات.
ولكن ما هو بيت الحكمة وإسهاماته في بغداد الرشيد؟

أنشئ «بيت الحكمة» أول مرة في قصر الخلافة ببغداد، إبان الخلافة العباسية. فكان الوقود الذي تحركت وتحققت به تجليات الحضارة العربية الاسلامية التي يتغنى بها حتى اليوم، في مجالات الطب والفلك والرياضيات والفلسفة الخ.
والمقصود بـ(بيت الحكمة) الدار أو البيت الذي استخدم لحفظ أو خزن الكتب بصفة عامة وكتب (الحكمة) أي (الفلسفة) بصفة خاصة. حيث كان مصطلح (الفلسفة) يشمل في ذلك العصر عددا من العلوم مثل: الرياضيات والفلك والفلسفة والمنطق والطب والطبيعة وغيرها.
استراتيجية ثقافية
ولكن لم يبلغ (بيت الحكمة) ذروة نشاطه العلمي إلا في أيام الخليفة العباسي المأمون (ت 218هـ/833م).
فمن نافلة القول إن هذا الخليفة كان يتميز بعقل مستنير وفكر حر وثقافة واسعة ولهذا ما كاد يستقر في بغداد حتى أحدث تغييرا كبيرا في (الاستراتيجية) الثقافية للدولة العباسية فلقد أدرك من خلال تنشئته ودراسته من ناحية وعلاقته الوثيقة برجال العلم والأدب من عرب ومسلمين ونساطرة وفرس وهنود وصابئة من ناحية أخرى أن بناء الحضارة العربية الإسلامية وازدهارها مرتهن بالتفاعل والحوار..
بينها وبين الحضارات الأخرى والإفادة من كنوزها لأن ما توصل إليه علماء تلك الحضارات من نتائج علمية هو ملك للبشرية جمعاء بغض النظر عن عقائد وأجناس وألوان هؤلاء العلماء. وانطلاقاً من هذه (العقيدة العلمية) فتح المأمون أبواب الترجمة إلى العربية على مصراعيها.
حقيقة إن الترجمة من الحضارات الأخرى إلى العربية كانت قد بدأت في العصر الأموي وذلك عندما ترجمت بعض كتب الكيمياء من اليونانية إلى العربية بناء على طلب الأمير الأموي خالد بن يزيد ولكن هذه الترجمات وغيرها كانت كلها بمبادرات فردية وتتسم بالعفوية وتتعلق بميادين علمية محددة.
أما في عهد المأمون فقد غدت الترجمة سياسة أو (استراتيجية) عامة للدولة العباسية ولا ترتبط برغبة هذا الخليفة أو ذاك الأمير كما أنها لم تعد تتعلق بميدان دون آخر وإنما أصبحت تشمل معظم العلوم والمعارف التي ازدهرت في الحضارات القديمة.
وفي ضوء ذلك رأى المأمون أن (خزانة الحكمة) التي أسسها والده لا يمكن لها النهوض بالمشروع الثقافي الكبير الذي يعتزم القيام به ولهذا حوّلها إلى (مؤسسة) علمية عرفت باسم (بيت الحكمة) مهمته ليست خزن الكتب والترجمة والتأليف والنسخ فحسب وإنما احتضان مسألة الحوار بين الحضارات وتبادل العلوم والآداب والفنون فيما بينها.
تراث الحضارات الأخرى
لقد حصل الخليفة المأمون على مخطوطات تراث الحضارات الأخرى من داخل العالم العربي والإسلامي وخارجه فبالنسبة إلى مخطوطات التراث اليونانية مثلا فقد حصل عليها من أماكن متعددة بعضها جلب من جزيرة قبرص حيث أرسل المأمون إلى حاكمها البيزنطي يطلب منه كتب الفلاسفة اليونان .
وبعد أن وصلت هذه المجموعات من التراث اليوناني إلى (بيت الحكمة) وتم تصنيفها وترتيبها وفقا للأصول المرعية فيه فتح المأمون أبواب العمل فيه لخيرة المترجمين والعلماء والأطباء والأدباء. ومن المترجمين والعلماء الذين عملوا في بيت الحكمة نذكر: يحيى بن ماسويه والحجاج بن مطر وحنين بن اسحق وابنه اسحق وحبيش الأعسم وقسطا بن لوقا وغيرهم.
الكندي والخوارزمي كانا هناك
وكان الكندي والخوارزمي من بين العلماء الذين احتضنهم (بيت الحكمة). ومن العلماء المسلمين الفرس الذين عملوا في بيت الحكمة وترجموا من الفارسية إلى العربية نذكر: الفضل بن نوبخت وسهل بن هارون. ومن العلماء الصابئة نذكر ثابت بن قرة الذي ترجم الكثير من كتب الفلك والهندسة من اليونانية إلى العربية.
ومن العلماء العرب الذين عملوا في بيت الحكمة نذكر الفيلسوف الكبير الكندي الذي كان عالماً كبيراً بالرياضيات والكيمياء والموسيقى وقام بنشاط علمي كبير وبخاصة في ما يتعلق بوضع المصطلح العربي الملائم للأصل اليوناني..
وذلك بالتعاون مع كبار المترجمين العاملين في بيت الحكمة كما تولى عدد من العلماء والمترجمين رئاسة (بيت الحكمة) أمثال العالم الرياضي محمد بن موسى الخوارزمي في أيام الخليفة المأمون وحنين بن اسحق أيام الخليفة المتوكل (247هـ/861م).
وزن الكتاب ذهباً
أنفقت الدولة العباسية أموالاً طائلة على (بيت الحكمة) ونشاطاته العلمية. فقد كان عليها مثلا أن تدفع مبالغ ضخمة للحصول على المخطوطات ونقلها ومبالغ أخرى للمترجمين والعلماء والإداريين وأعمال النسخ والرصد والصيانة... إلخ. وتؤكد المصادر أن المأمون كان يعطي بعض المترجمين أمثال حنين بن اسحق وزن الكتاب الذي يترجمه ذهباً.
لم يكتف المترجمون والعلماء العاملون في بيت الحكمة بترجمة الكتب من لغاتها الأصلية إلى العربية فحسب وإنما قاموا بتفسير الكثير منها ونقدها وتصحيحها.
بل إن بعض الكتب كان يترجم ويشرح ويصحح أكثر من مرة ومن طرف أكثر من مترجم وعالم ولاسيما إذا كانت الترجمة الأولى لا تتسم بالدقة والوضوح والفصاحة. فكتاب (أصول الهندسة) للعالم اليوناني إقليدس وكتاب (المجسطي) أي (الكتاب الأعظم) للعالم اليوناني بطليموس وقد تُرجما وفُسرا ونُقحا أكثر من مرة توخيا للدقة والأمانة العلمية.
إرث
بيت الحكمة كان عبارة عن مؤسسة علمية في بغداد، اعتبرت «أول جامعة في التاريخ»، ولقد ازدهر في عهد الخليفة العباسي المأمون وأحدث وقتها نقلة نوعية في الترجمة تمهيدا للعصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية في بداية القرن التاسع الميلادي سنة 840 ميلادية تقريبا. وكان بيت الحكمة يضم بيوتا للطلاب والمعلمين وساحة جامعية بالإضافة إلى مطعم لتزويد رواده بالغذاء..
ويتكون البيت من طابقين، الطابق السفلي يضم قاعات خاصة بخزائن الكتب واقسام الترجمة والنسخ والتأليف والتجليد والمطالعة والدراسة في كل مجال من مجالات المعرفة والعلوم والآداب، أما قاعات الطابق العلوي فكانت خاصة باقامة المؤلفين والمترجمين والدارسين والعاملين وغيرهم. وأغلبية العلماء الذين عملوا وترجموا في بيت الحكمة كانوا من المسيحيين الشرقيين والفرس. وكانوا جزءًا هامًا من هذه المؤسسة البحثية والتعليمية، وهذا يدل على الانفتاح على معظم الحضارات في وقتها.
Ⅶتأسيس مختبرات للمستقبل تحلل التحديات الاستراتيجية المتوقعة
Ⅶ عقول العالم الأكثر ذكاءً ستجتمع وتبد في الإمارات
Ⅶتجربة الولايات المتحدة في استقطاب العقول المبدعة جعلتها متفوقة وقائدة
Ⅶأنشئ «بيت الحكمة» القديم في بغداد فحرك تجليات الحضارة العربية
