حركة دؤوبة من ملائكة الرحمة،هذه تلف، وتلك تمسح، وأخرى تمد الغطاء الأبيض، ورابعة تملأ الاستمارات مختلفة الألوان، وأهلٌ يتردد صداهم في الغرفة.
حين يطوينا ألم الفقد ويحملنا في ثنايا أجنحته ... لا نميز في أي بعد زمني نكون .... وكأننا في بعد عاشر أو ما بعد المليون، ولانبالي. جرح لا ينزف يسكن شغاف القلب ويعيث بالروح عبثاً. وأفكار كالخيول التائهة في ظلمة بعيداً عن موطنها ، ليس لنا اختيار في رحيل من نحب، هذا يقين يسكن النفس ولكن، هل لنا اختيار في رحيل الذكريات ؟ هل لنا اختيار في العودة إلى بياض يغطي شاشات حياتنا؟.
أخذه المرض إلى عالم تتلاشى فيه الذكريات تدريجياً، ألوان العالم كله، كل المرئيات بألوانها تتحول إلى الأبيض، تتوحد الملامح في ملمح واحد.... يبقى مرسوماً على كل الوجوه، لم أكن أرى انعكاسي بعينه، بل نجوماً لامعة وكأنه ينظر إلى السماء في ليل حالك. أمسك يديه، نعم هي دافئة، ولكن ليس دفء الحب ، بل سخونة جسم مريض، أما حين يسمع صوتي، فأرى الشمس تشرق في عينيه فأعرف ساعتها أنه يميز أصوات الأحبة. من يعرف مرض الزهايمر علمياً لا يعرفه حقاً، ومن يعرفه من الأفلام أيضاً لم يقترب منه، رحيلنا من ذاكرته كانت كل الأطراف مرغمة عليه، تواجدنا في نفسه يزول مع كل ذكرى تمّحي وتغيب.
في بداية الأمر كان يتأسف حين لا يذكر كلمة أو حدثاً أو شيئاً ما وضعه في مكان ما، ثم بدأ يغضب ممن حوله، هل هي مؤامرة لإفقاده الثقة بالنفس أو الرشد ،غضبه كان يتحول إلى أمواج هائجة، ولكنها تنسحب حين يرى وجهاً من وجوه أبنائه، يرسم الابتسامة على وجهه ويهلل وكأنه نسي ما كان قد نسيه قبلاً، ثم تاهت ملعقة الطعام حملها ذات غداء، رفع بها الطعام، وأمعن النظر، كنت أرى في عينيه سؤالاً .. ما هذه؟ ماذا أفعل بها الآن ؟ وفي نفس الوقت كان ينظر إلينا، هناك خطب ما ولكن هل أحس به أحد غيري؟ بقيت يده معلقة في الهواء والطعام في الملعقة مددت يدي برفق، ودفعت يده هوينا حتى وصلت الملعقة إلى فمه، ابتسم وقال: كنت أعرف ... كنت أعرف ...هل كان يعرف ؟ في توالي الأيام كان الطعام يصل إلى الفم ولا يعرف ماذا يجب أن يحدث بعد ذلك، يحمل كأس الماء، ولا يعرف ماذا يجب أن يحدث بعد ذلك، زادت حدة الغضب واجتمع مع الحزن على قلبه الرهيف، لم يعد يحتمل فاعتزل الجميع ...
الصوت العالي، صوت الهاتف، أحاديث الناس، ذاك وهذا يزعجني، وابتعد رويداً رويداً ... كان كبرياؤه يمنعه أن يظهر أمام الآخرين ناسياً إياهم ...يا لهذا الكبرياء الذي يجهل ما يحدث.
هو في عالم آخر، يرى أناساً غير مرئيين لنا، وحقيقيون له يحدثهم ، يتسامر معهم ، ويبتسم لهم ويعيد الذكريات، ويهتف تساؤل في النفس، من هو غير المرئي ؟ هل هو معي الآن ، والآخرون الذين لا أراهم، هم غير مرئيين؟ أم هو معهم الآن وأنا دخيلة غير مرئية ؟
تداخل الأزمان والأوقات، أيهما الصحيح ، أينا العاقل الآن ؟؟؟
نحن الآن في بعدين مختلفين، يتقاطعان معظم الوقت ويلتقيان للحظة، أرى فيها عينيه تتلألآن وكأن نجوم العالم سكنتها، وأحايين كثيرة لا أرى فيها انعكاساً لحياة هنا، أراه بعيداً بعيداً هناك ..
تمر بين الفينة والأخرى لحظات يقظة للذاكرة، فيمد يديه محتضنا أخي بكل حب ودفء ولهفة طفل ضائع عاد إلى أحضان أمه، وقبل أن يتشرب قلب أخي من رحيق حبه، يسحب يديه، وبعينين زائغتين ينظر إلي، من هذا الشخص؟ وحين يرى ابتسامتي يعلم أنه في أمان .
هو لا يحتاج مني شرحاً، في أعماقه يعلم أن الشخص هذا حبيب، له مكانة في نفسه، ولكن من هو؟.
رحيلنا عن ذاكرته كان تدريجياً، لم يكن الأكبر الذي بقي أو الأصغر الذي أصبح منسياً، أو الأوسط الذي تغير اسمه إلى محمد، نعم محمد، ولم يكن محمد محمداً، بل أبت الذاكرة أن يمحو المرض منها كل شيء ، فأبقى محمداً، وبقيت الشهادتان و( ألم نشرح لك صدرك )، يرتل بها في قيامه وقعوده ، بقي الإيمان ينير قلبه حين يطفئ المرض سراج الذكريات ، بكيت موته قبل أن يموت، بكيته في ليلة سابقة حين زرته فكانت النجوم غائبة في عينيه، عرفت أنه الرحيل ولكن أبت النفس أن تصدق ، رغم أن الذاكرة رحلت من قبل لكن تمنيت أن يبقى لنا، وأن كان بلا ذاكرة ،ألم الفقد كان مرتين ... الأولى برحيل الذاكرة والأخيرة برحيل ..صاحب الذاكرة .رحمك الله يا والدي وأسكنك فسيح جناته.
كاتبة إماراتية
