«حوار الحوارات والتقاؤها ووئامها، هو الأصل والأساس، لا صراعها وتنافرها». هكذا وصّف الدكتور أحمد صدقي الدجاني(1936 ــ 2003)، أهمية «حوار الحضارات»، في محاضرته بندوة الثقافة والعلوم في دبي بتاريخ 5 مارس 1997م. كما شدد على أنه ليس الاقتصاد المقوم الجوهري في بناء السلام والتقدم والرفاه العالمي.. وإنما الفكر السليم وحوار الحضارات والانفتاح بين شتى الثقافات.
استهل الدجاني محاضرته بتبيان حقيقة أنه تمر المجتمعات عادةً بفترات انتقالية، تُلح فيها أسئلة ويكون هناك تطلع إلى رؤية تمكن من إعطاء أجوبة عن هذه الأسئلة، لافتاً إلى أننا حالياً، وبعد انتهاء الحرب الباردة، نقبع تحت مظلة دائرة حضارة الغرب.
وفي الخضم برز عامل مهم في عصرنا الراهن، متصل بخريطة هذا العصر وبوجود دولة كبرى لها تأثيراتها، وهي الولايات المتحدة الأميركية، التي باتت ممارساتها وانشغالاتها وخططها، تفرز انعكاسات مهولة على دول العالم كافة من حولنا.
التباس
ورأى المحاضر، أنه هناك عامل ثانٍ يفرز إلحاح موضوع حوار الحضارات في وقتنا الحالي، ألا وهو استشعار في دول المعمورة قاطبة لأهمية الثقافة وأهمية الحضارة، فعلى صعيد الدائرة الواسعة للمثقفين عامة، هناك التباس. إذ يوجد، حسب ما شرح الدجاني، من يصف العالم بأنه حضارة واحدة، ومن ثم يقول هي حضارة اقتصادية..
ويسميها حضارة رأسمالية، ومن ثم يصدم دارس الحضارة المتخصص بالتعبير، لأنه يعلم أن هناك حضارات عدوة، وأن الاقتصاد مجرد عامل من العوامل في صنع الحضارة وليس حضارة. فالحضارة تقوم برؤية كونية. والسؤال: هل حوار الحضارات يتطلب تعريفاً عالمياً متفقاً لتفسير واستجلاء ماهية الحضارة؟
ووضّح الدجاني أنه هناك ظاهرة آنية في حضارة الغرب تتمثل في الخوف من الإسلام، والإسلام هنا بمعنيين: معنى الدين ومعنى الحضارة (وهو الأهم في هذه الإشكالية).. فالحضارة الإسلامية شارك فيها المسلم والمسيحي وكثيرون من مختلف الديانات الأخرى.. وكلهم كانوا مترابطين.
وشدد المحاضر على أننا، وكي نجيب على التساؤلات في شأن هذه المسألة، لا بد أن نقف أمام كلمة حضارة بمعنييها وبعديها: ما تنطوي عليه الحضارة كظاهرة ؟ وماذا تعني الحضارة كمؤسسة؟
«نريد أن نتعارف»
أوجز الدجاني في قسم خاص ضمن محاضرته أبرز مظاهر الحضارة، مشيراً إلى أنها تتعلق بالعادات والتقاليد والنظم الاجتماعية والقيم السائدة والقوانين المختلفة. وشدد في النهاية على أن الحوار مطلوب لا مناص في سياقاته من الاتفاق على تعريف عالمي مبسط يشرح ويلخص مضامين واتجاهات الحضارة. وأضاف: لنبذل جهودنا ولنقدم رؤيتنا.
فالتعاون بين الحضارات هو الأصل، والاستثناء هو الصراع، ولا ينبغي أن نقلب القضية ونجعل الصدام هو الأصل. فنحن العرب في طور انبعاث من خلال المنارات الثقافية والاهتمام بالعلم. نحن في الطريق نحث السير صعوداً ونزولاً حتى نجتاز المرحلة.
وختم أحمد صدقي الدجاني محاضرته: الحضارة تسير قدماً. تريد أن نتعارف. الأصل هو التعارف والتعاون والحوار من أجل التواصل والاستمرارية، ولا غنى عن الصراع. فالحضارة الغربية فرضت نفسها بالقوة علينا وزرعت قاعدة استعمارية في قلب وطننا وتحاول فرض نظام شرق أوسطي، رغماً عنا. وهذا كله لن ينجح. والذي سيسود هو حوار الحضارات وتعاونها.

