معادلة منقوصة تلك التي يغيب فيها أحد الأطراف، ولكن في المسرح، تحضر العروض ومبدعوها، ويرافقها النقد، إلا أن حضوره القاصر غالباً ما يكون لحفظ ماء الوجه. وضع مأساوي يعيشه النقد المسرحي اليوم، فهو لا يزال يراوح مكانه، في ظل فوضى عارمة، سببها تخلي الناقد عن دوره الحقيقي واستبدال مقعده مع الصحافي، ليكتب الأول مجرد آراء، ويقدم الثاني تقييماً ذاتياً نابعاً من ذوقه الخاص، تحت مسمى "النقد".

استياء

"البيان" التقت الناقدة المسرحية جميلة مصطفى زقاي، التي عبرت عن استيائها من حال النقد المسرحي اليوم، لافتة إلى أنه حاضر، لكن حضوره يبقى نسبياً، وقالت: فاق النتاج المسرحي وتيرة النقد، وهذا يعود إلى وتيرة المهرجانات التي تسارعت كثيراً في جميع البلدان العربية، ليكاد يكون من المستحيل تغطية هذا الكم الهائل من العروض المسرحية التي تبث وتعرض هنا وهناك. وأشارت زقاي إلى أن الناقد اليوم يواجه مشكلة عويصة، تتمثل في "أنه في المهرجانات يجد نفسه حبيس المنهج الانطباعي الذوقي التأثري، فهو محكوم بمسايرة ومتابعة وتيرة الندوات التطبيقية".

تباين

وذكرت الناقدة المسرحية أن المستوى في الندوات التطبيقية متباين جداً، بين صحافي يتحكم في المشهد الفرجوي وفق ذوقه بالدرجة الأولى، وبين ناقد جلس على مقعد الصحافي فبات تائهاً لا يعرف ماذا يكتب لتنحصر كتاباته على موضوع محدد فرضته عليه المساحة التي يكتب فيها.

وأضافت: نجد الصحافي وكأنه يحاكم الذوق، معتمداً على المنهج الانطباعي فقط، ورغم أن هذا المنهج هو بوابة النقد بالدرجة الأول، إلا أن المناهج النقدية الأخرى وبخاصة المنهج السيميائي، يسعف في قراءة اللغة المشهدية على اختلافها وتباينها، ويقف عند جماليتها بأسلوب أرفع وأرقى من الحكم فقط وفقاً للمنهج الانطباعي، وفي المقابل، نجد الناقد الأكاديمي حبيس عمله النقدي الذي ينطلق من المناهج النقدية على اختلاف اتجاهيها بين السياقية والنسقية.

تحليل وتفسير

وعن النقد المعاصر قالت: وضع النقد المسرحي مأساوي، فهو لا يزال يراوح مكانه، وبالنسبة لي، فلا أعترف بالنقد الذي يصدر حكماً بأن هذا عرض رائع وذاك رديء، فليس هناك رديء ورائع، وإنما النقد الحقيقي هو الذي يقوم على التحليل والتفسير والتفكيك والشرح والتوضيح، وهكذا ينبغي أن يكون.

فسيفساء

ذكرت جميلة زقاي أن بعض النقاد وصلوا في نقدهم إلى تأويلات فاقت العمل المسرحي ومستواه إلى مجالات وفضاءات لا تصلح لمقاربة بعض العروض، وأنهت حديثها بالقول: هناك بعض النقاد لم يحصروا أنفسهم في منهج معين، بل اتجهوا نحو "الفسيفساء النقدية"، وهي التي يتحرر فيها الناقد من منهج واحد، ليقوم من خلالها باتباع المنهج الانطباعي والسياقي الذي يأخذ بعين الاعتبار الإطار الخارجي للنص، ثم يتجه إلى النسقية التي تختبر العرض من داخله، ليسائل العرض بكل هذه المناهج، وبرأيي هذا هو الحل الأنسب للتعامل مع أزمة النقد في الوقت الحالي.