حكاية امرأتين تمثلان وجع الأمهات، ورغم اختلاف لغاتهما المحكية إلا أن لغة المشاعر والأحاسيس والفقدان كانت كفيلة بتوحيدهما على خشبة المسرح، ذلك جزء من حكاية مسرحية «صدى الصمت» التي خط نصها الكاتب العراقي الراحل قاسم مطرود، ليعيدنا من خلاله إلى سنوات الحرب، التي دارت بين عامي 1980- 1988.

وأطلق عليها في ما بعد «حرب الخليج الأولى»، حيث نهشت الحرب من قلوب الأمهات وأفقدتهن فلذات أكبادهن، وقادت الكثير منهن نحو الاغتراب عن الوطن، والتشرد بين بلدان العالم.

عرض «صدى الصمت» الذي افتتح، أول من أمس، فعاليات الدورة الـ26 لأيام الشارقة المسرحية، بدا كأنه عملية سبر غور في الذاكرة، ففيه اقترب مؤلفه الراحل قاسم مطرود من نمط المسرح المستقبلي، الذي يمنح فيه المتلقي حرية الاختيار والخيال، فيما بدا تقديم المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، بمثابة استذكار رائع للفنان العراقي الراحل، الذي قدم له الكثير من النصوص الجميلة في المنطقة العربية.

قاسم مشترك

في هذا العمل نحن بحضرة امرأتين «جسدت أدوارهما الممثلة سماح، وسالي الفراج»، تتشاركان ويلات الحرب، وأصوات المدافع، وكلتاهما خسرت ابنها في الحرب، ليظل الوجع قاسمها المشترك، رغم صعوبة التواصل اللغوي بينهن، ليأخذنا مخرج العرض فيصل العميري نحو العوالم الداخلية لكل شخصية، بغية التعرف على وجعه.

الأمر الذي أكسب العرض بكامله صيغة إنسانية جميلة، اختفى فيها حاجز اللغة، وذابت فيها الحدود الجغرافية، فكل واحدة منهن قد تجرعت نصيبها من كأس الحرب، وهو ما جعل جملة «ما ذنب هذه المرأة، إنها مثلي أم خسرت ابنها» تتردد عالياً في فضاء المسرح. في وقت استوطن الخوف قلوب الأمهات.

وهو ما يمكن ملاحظته في الجملة التي قالتها إحداهن عندما رن الهاتف: «خائفة المسكينة مثلنا، كنت أموت من الخوف إذا سمعت طرقاً على الباب الخارجي بعد منتصف الليل، وأول شيء أقوم به هو النظر إلى فراش زوجي وأتأكد من وجوده».

في المقابل نجد أن المخرج نجح في خلق مؤثرات صوتية مباشرة على خشبة المسرح على يد الـ«دراماتورج» (الممثل عبد الله التركماني)، مستخدماً بذلك الآلات الإيقاعية، ما شكل ذلك جزءاً مهماً من حالته التجريبية، التي قدمها باحتراف مدروس، لم يشعر معه الجمهور بأي إرباك أو خلل في إيقاع العمل الذي جاء منضبطاً بشكل واضح، ليستعيد المخرج، من خلال «الدراماتورج» بعضاً من بريق المسرح الإذاعي.

سينوغرافيا شاعرية

لقد تمكن كل من التركماني وسماح وسالي الفرج، من خلال الأداء التمثيلي على الخشبة من خلق حالة احترافيه، حيث لم يطغ أداء أي منهم على الآخر، وأوضحوا مدى قدرتهم على الإمساك بزمام المساحات المترامية على الخشبة، التي جاءت السينوغرافيا فيها شاعرية، وفي الوقت نفسه بسيطة، اعتمدت على الإضاءة بشكل رئيس، وعلى المؤثرات الصوتية الحية.

وهو ما أسهم في تحصين العرض من الدخول في الثرثرة، وهو ما يبين تمكن المخرج من التعامل الجيد مع نص قاسم مطرود، واشتغاله على الحوارات بطريقة جميلة، على الرغم من اختلاف لغاتهن المحكية، التي استبدلت بلغة المشاعر والأحاسيس والفقدان، وأحياناً بلغة الإشارة.

جوائز

خلال مسيرتها تمكنت مسرحية «صدى الصمت» من الفوز بالعديد من الجوائز، أبرزها جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي، كما سبق لها أن حازت 4 جوائز أساسية في مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، من بينها أفضل إخراج لفيصل العميري وأفضل ممثلة لسماح وأفضل سينوغرافيا، وأفضل مؤثرات لعبد الله التركماني.