مشاعر مفقودة

لم تكن مريم ابنة التاسعة عشرة، تدرك بعد وفاة والدتها، أنها ستصبح أسيرة الوحدة، بعد أن كانت أمها هي الصديقة وحافظة الأسرار، ورغم وجود والدها، إلا أنها ظلت تعيش هذا الشعور الذي يكبل مشاعرها الجميلة.

مرت سنوات، وهذا الشعور المؤلم يسيطر على تفكيرها وحياتها، رهنت نفسها لمعتقد سلب منها علاقتها الجميلة بوالدها، وأصبح في نظرها، ذاك الرجل الذي يبحث عن أخرى عوضاً عن أمها، لم ترَ حرصه أو اهتمامه بها، ولم تدع مشاعرها تدلها على الطريق، بل الأفكار الواهمة التي ظلت متمسكة بها لوقت طويل.

والدها رجل طيب، يحبها حباً كبيراً، ورغم محاولاته المتكررة للتقرب إليها، إلا أنها كانت تعتبر وجوده مؤقتاً بالنسبة لها، فستكون له حياة جديدة مع أخرى.

مريم تجهل أحاسيس والدها الحقيقية، فهو يعيش حزناً شديداً، بسبب فقدانه زوجته، حزناً يتجدد كل يوم يعود به إلى البيت، بمجرد النظر إلى ابنته الوحيدة، لم تستطع مريم أن ترى حقيقة مشاعره ومدى الألم الذي أصبح يكبر بداخله يوماً بعد يوم، فكل ما كان يخالجها من شعور، هو أنها أضحت وحيدة، وأن والدها سيتركها قريباً.

المسافة التي وضعتها مريم بينها وبين والدها، جعلت الهموم بداخلِه تزداد، واعتقادها الدائم بأن الرجل قوي جداً، ولديه القدرة على تحدي أي ظرف ممكن، حولها من فتاة حساسة ورقيقة، إلى فتاة قاسية مفتقدة للمشاعر.

مع هذا الضغط المتكرر، الذي كان يعيشه والدها، حصل ما لم تتوقعه، فقد ساءت حالته بسبب الضغط اليومي الذي كان يعيشه، ما أدى إلى سقوطه أثناء العمل، إثر تعرضه لجلطة أدت لنقله إلى المشفى، إنها صدمة غير متوقعة على مريم، لم تكن تتوقع أن يسقط هذا الرجل القوي الذي لا يتأثر، هذا الرجل الذي لطالما وجدته فاقداً للمشاعر، الصدمة أرجعت لها تلك المشاعر المفقودة، والتي استيقظت بعد نوم عميق.

أيقظت دموعها فقدانها للمشاعر تجاه والدها، استرجعت إحساسها الفعلي تجاهه، أدركت أخيراً، أنها كانت واقعة في الوهم، وتحت تأثير الصدمة التي أفقدتها العيش في هذا الحب مع والدها.

لم تعد مريم تمتلك سوى الدموع والدعاء في التعبير عن صدق شعورها، تلك الدموع التي تغسل خطيئة تصرفها القاسي مع والدها. لم يرد الله لها أن تعيش الوحدة مجدداً، بعد أن أحست بخطئها، فقد استعاد الوعي، ليجد تلك الفتاة الحنون الرقيقة الشبيهة بأمها، إنها مريم، التي تحب والديها، ولا تتخيل أن تعيش حياتها من دونهما.

مسؤولة التخطيط البرامجي لدائرة الثقافة والإعلام بالمنطقة الشرقية - الشارقة. معدة برامج تلفزيونية، قاصة وكاتبة مسرح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات