زرقاء عدن

كانت تعلم أنها مختلفة في كل شيء، عيناها زرقاوان، في بيئة تحلف بسواد العيون، شعرها الأشقر النادر وبياضها، حتى.. إعاقتها نادرة. عند ولادتها، جاءت كل نساء «الحافة» لينظرن إليها، بل توسع الموضوع ليشمل كل سكان (البريقة)، لسان حالهن: خديجة أنجبت (خواجية).

دققت العيون النظر في (الخواجية)، علها تجد تشابهاً بينها وبين أمها أو أبيها الغارقين في لون الشفق، ولكن محاولاتهم باءت بالفشل، خديجة التي تسكن مع أخوات زوجها العوانس، والتي منعها زوجها منذ زواجها قبل خمس سنوات، من الخروج من البيت، خوفاً من الفتنة، أنجبت الفتنة بكل أساليبها وجاذبيتها وشهوتها ولعنتها.

خديجة التي دفنها زوجها بين أخواته الخمس وعلامات الاستفهام، وحاصرها بالأسئلة عمَّ تفكر؟ وفِيمَ تفكر؟ ولماذا تفكر؟، أربكت الجميع بولادتها لهذه الطفلة، فمن عطر هذا المخلوق الصغير بهذا الجمال الذي لا ينتمي لحرارة الجنوب، ومن ذا الذي لوّن حلاها بألوان قوس قزح.

ماذا سيفعل الزوج الذي يشك في أنامله إذا لامست حلاله؟! ماذا سيقول؟ كيف سيواجه ظنونه.. أوهامه، وأهالي (البريقة)؟!

كانت ولادتها النهاية. شك الزوج في زوجته، ولكن مع من خانته؟، من الذي يحمل عيوناً زرقاء كسماء صافية، وشعراً أشقرَ وبياضاً لافتاً في مدينة تداعب فيها الشمس ملامح سكانها، وتنافسهم في الجلوس على المقاهي وصيد الأسماك وأحاديث الصباح، وتسابقهم في ألعابهم، وتشاركهم أفراحهم وأحزانهم وأشكالهم، تساءل: من الذي لا يشبهنا؟ وكيف وهب الطفلة هذه الملامح؟ كيف خانتني خديجة؟ مع من؟ ومتى؟ ولماذا؟ وأين؟.

وهنا، تذكّر أن الأجنبي الوحيد الموجود في (البريقة)، هو الدكتور وليم؟ ولكن خديجة لم تذهب يوماً «للهسبتاليه»..! كما أن عينيه خضراوان.!، هناك عمر دراز سائق المستشفى، وهو هندي بشرته غارقة في الظلام، آه.. وهنا، تذكر مشتبه فيه آخر، صحيح هناك البحارة القادمون من كل أصقاع الدنيا ليرتاحوا في شواطئ المدينة، وليبيعوا بضائعهم في الساحل.

تعب من الأسئلة التي تتكاثر في رأسه الصغير؟، وقرر أن يرتاح من المشكلة؟، طلق الزوج المسكون بظنونه، خديجة، ورماها مع طفلتها في الطريق، تقتات على الصدقات المحبة لجمال (الخواجية). لم تدافع خديجة عن نفسها كثيراً، ولم تشكُ تطليق زوجها لها..! فهي ذاتها لا تعرف كيف جاءت هذه (الخواجية) من أحشائها؟.

كان كل يوم يضاف إلى عُمر الطفلة، يزيدها تألقاً وانغماساً في ملامح لا تشبه أهلها، مرت تسع سنوات، أصبحت خلالها هذه الطفلة الملعونة، كما كان يقول والدها، بركة القرية، ليس بجمالها الغريب، ولكن لإعاقتها النادرة، كانت الطفلة تستطيع أن ترى في الظلام، بل في أحلك درجاته، ومع ذلك هي عمياء عند اقتراب الشمس من مدينتها.

أنقذت (خوجة) القرية وسكانها عندما هاجمهم قطيع من الجمال الضالة في الليل، استطاعت الطفلة أن تنذر القرية بقدومهم، فتحاشى سكان (البريقة) الموت تحت أقدام الجمال، باعتباره حدثاً سنوياً، أنقدتهم منه عيون (خوجة)..!، استطاعت أن تدلهم على مواقع القوارب الضائعة في الليل البهيم، وتنقذ الأرواح، فهتفت القرية ببركتها، كانت زرقاء (البريقة)... بل زرقاء عدن.

في إحدى الليالي، طلب الصيادون من (خوجة) أن تدلهم على قارب والدها الذي تاه في البحر، فلم تتردد الطفلة المنبوذة في إنقاذ والدها، وخرجت معهم، واستطاع الرجال إنقاذ الوالد، وعاد القارب إلى الشاطئ، ولكنها... لم تكن بداخله.

قاصة وصحافية يمنية مقيمة في الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات