أمبرتو إيكو فيلسوف إيطالي، وروائي وباحث في شؤون القرون الوسطى، يُعرف بروايته الشهيرة اسم الوردة، ومقالاته العديدة تثير جدلاً حول العالم بوصفه أحد أبرز المفكرين والفلاسفة المعاصرين، ويعد أحد أبرز النقاد العلمانيين في العالم. ولد في ٥ يناير ١٩٣٢، ألساندريا، إيطاليا. وتوفي ١٩ فبراير الجاري، بميلانو، إيطاليا. المقال التالي والذي نُشر بصحيفة نيويورك تايمز الأميركية هو آخر ما نُشر للكاتب العالمي.
يشتد إحساسي بالضيق في كل مرة أصادف فيها تعبيراً بات يتكرر في التقارير البرلمانية والمقابلات ومقالات الصحف وما شابه ذلك. يقول الناس «ارتكبت خطأ» في حين أن ما يقصدونه من كلامهم هو أنهم اقترفوا جرماً، ومن الأمثلة على ذلك قولهم: «ربما أكون قد ارتكبت أخطاء في الماضي، لكنني سأكرس نفسي الآن للعمل التطوعي» أو «سأشرح تصرفاتي للقضاة إذا كنت قد ارتكبت خطأ»، أو عندما يكتب أحد الصحافيين عن شخص معين أنه «ارتكب خطأ»، ويفترض بنا مسامحته.
ومن عاداتي السيئة أن استعين بالقواميس في كل مرة أريد أن أفقه المعنى الكامل لكلمة ما، واستناداً إلى «قاموس وبستر نيو وورلد كوليدج»، تعرف كلمة خطأ بأنها غلطة في فهم وتصور وتفسير «فكرة أو إجابة أو فعل الخ..» خطأ: «غلطة».
ويبدو واضحاً، انطلاقاً من هذا التعريف، أن من «يرتكب الأخطاء» يفعل ذلك عن غير قصد. فالمحاسب الذي يخطئ في حساب صف من الأرقام يرتكب خطأ، كما الطاهي الذي يضع عن غير قصد مكونات خاطئة في الطبق المفضل، أو الطبيب الذي يسيء تشخيص حالة المريض. وفي كل حالة من تلك الحالات، فإن الشخص كان عازماً بشكل جازم على أن يقوم بالشيء الصحيح، لكنه أخفــق في ذلك، وجميعهم غير واعــــــين للأخطاء التي ارتكبوها في البداية.
لكن اليوم كثيراً ما يوصف المجرمون والقتلة، بمعنى من يمارس الابتزاز ويقبل الرشاوى، ويستخدم بشكل غير مشروع البطاقات الائتمانية لغيره، ويخدع الضعفاء والسذج، وصولاً إلى من يقتل جدته بالفأس أو يرمي الحمض على وجه زوجته السابقة، بـ«بمرتكبي الأخطاء».
وبالتأكيد هؤلاء الأشخاص لا يرتكبون الأخطاء فحسب، بل يفعلون بإدراك كامل ما هو مخالف للقانون والأخلاق العامة. إنهم، بكل وضوح يقترفون جرماً. بل إنهم باستخدام المصطلحات الدينية «يرتكبون خطيئة»، بمعنى أنهم يتعمدون فعل الخطأ، بمعزل عن كون ما قاموا به جريمة طفيفة كتجاوز الإشارة الحمراء في القيادة، أو جريمة مميتة كقتل جدتهم.
وعندما يوصف الأشرار المعروفين بأنهم مجرد مرتكبي «أخطاء»، فإن في ذلك تلطيفاً للتعبير وقحاً يعمد إلى التغطية على مسؤوليتهم عن أفعالهم، كما لو أنهم أطفال يحسبون بإهمال اثنين زائد اثنين يساوى خمسة. وإطلاق تعبير «خطأ» على جريمة واضحة هو جرم بحد ذاته.
