احتفى مهرجان طيران الإمارات للآداب، ضمن فعاليات دورته الثامنة بمسيرة وإبداعات الشاعر والكاتب والدبلوماسي الراحل محمد خليفة بن حاضر المهيري (1948-2011) تستحضر بصماته الاستثنائية التي وسم بها الشعر الإماراتي، فكان جسر العبور لجميع من لحقوا به، مطوّرين أدواتهم الشعرية: كلمات، وصوراً، وعمرانية، ومواضيع. كانت غيضاً من فيض تلك الكلمات تناثرت على مسامع الحضور صاغها الشاعر والباحث إبراهيم الهاشمي عن سيرة عامرة تخللتها قصائد متنوعة من أشعار الفقيد ألقاها الشاعر الإماراتي خالد البدور بحضور شقيق الراحل حارب محمد خلفية بن حاضر وجمع غفير من الأدباء والمثقفين في دولة الإمارات والجمهور.
شاعر الفريج
بقي ابن حاضر «شاعر فريج الحواضر» حاضراً بين شعرائنا جميعاً، حيث تفرّد بتجربته السخية وتشف عن ذلك قصائده التي لم تضمّن فى ديوان جامع لأعماله قبل رحيله، وقال عنه إبراهيم الهاشمي الذي استعرض مآثره وتاريخه العبق إنه كان إنساناً رفيعاً نقياً كالبلور وكان دائم الابتسام، رحب الخصال، خصب الخيال، عنواناً للطيبة والتسامح والإنسانية. لكن سواعده حين يجدّ الجد كانت تطيح، لم يعرف المساومة يوماً ولم يدركه الوهن ولم يفت في عضده إغراء، جاء إلى الدنيا بسيطاً معتزاً بقوميته وتركها بعد أن خلد اسمه علماً في ذاكرة الإمارات.
حلمه الجميل
كتب ابن حاضر عن حبه العميق لأرض وطنه، وعن حلمه الجميل، مازجاً تجربته الخلاقة بالتجربة الشعرية، من خلال أسلوبه الشفاف والواضح في لغة هي أقرب إلى الناس، مع تصوير بديع مدهش يجمع كل أنواع التعبير الجمالي بلغة عالية، حيث عبرت نفسه الشاعرة عن الوطن وتغنى بكل جزئياته وموروثه وعادات أهله واحتفى بقيم الصحراء والبحر اللذين يرى فيهما الشاعر مكونين أساسيين ضمن عناصر شعره.وفى ذلك قرأ الشاعر خالد البدور نصاً من قصائده التي تغنت بذكريات الحنين لأيام الطفولة والصبا في فريج الحواضر «منطقة الجميرا»:
عودي، تعيدي ذكرياتي وتعود نشوى أمسياتي
وتعودُ أيامُ الصِّبا خضراً ترفُ على الحياةِ
عودي فإن جوانحي مَلَّتْ معانقةَ السُّباتِ
وأرى المشاعرَ لم تعدْ تقوى على سمع الدّعاةِ
في ذكرى شاعر البداوة والحضر يصبح الشعر طقساً شاعرياً ملهماً للفكرة والمضمون تغنت بالوطن والعروبة، على امتداد الأرض واتساع السماء وتناول أغلب الأغراض الشعرية بكل اقتدار، فيقول في إحدى قصائده مادحاً القائد المؤسس للدولة سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان،رحمة الله، والتي قرأها في اللقاء الشاعر خالد البدور:
«زايد» الغالي فى شعبه.. شوف..ما يبغي حلوف
أشهد انه للمعالي سير ما فيه انعطاف
دمت مقدام ينوف للحضارة..غدف نوف
موطنك روض الثريا لابيض النوضه..ملاف
وفقاً للشاعر والباحث إبراهيم الهاشمي الذي أصدر كتابين عن الراحل بن حاضر تناول خلالهما إرثه الأدبي والثقافي ومختارات من شعره الشعبي والفصيح، لا تخضع القراءة والكتابة عند بن حاضر لطقوس غير عادية، ولا ترتبط بزمن محدد، أو مكان معين، إنها بمثابة ممارسة يومية، لا تنقطع إلا في حالات استثنائية، لكنها تتطلب شروطاً محددة، منها الاستعداد النفسي، والاقتناع بالموضوع، والإحاطة بحيثياته، وصفاء الذهن، والعزلة بعيداً عن المؤثرات، وتكون علاقة بن حاضر بإرادة القراءة دوماً محفوفة بنوع من التريث وعدم التسرع، إذ يتطلب يقينها إعادة النظر، والمراجعة المستمرة، لذلك لا يغامر بنشر نص ما إلا بعد أن يتأكد من استقامته على نحو يرضيه أولاً قبل أن يرضي أحداً غيره.
و ينتقد الهاشمي خلال حديثه تجاهل الأوساط والجهات الثقافية والإعلامية التي لم تكرم إنجازاته الأدبية ولم تحتفِ به بما يتناسب مع مكانته وعطائه الممتد خاصة أنه شارك في تأسيس العديد من المؤسسات الثقافية في الدولة، فجميع ما كتب وقدم وصفها الهاشمي أنها خجولة جداً» على المستوى الرسمي ولا ترتقي بالفعل والعمل لتخليد ذكراه، لكنه على مستوى محبيه وقرائه ومعجبيه، بدا ساطعا ومدهشاً، كقامة إبداعية كبيرة قدمت الكثير ونالت الجزء اليسير من الاهتمام. إنه وفاء الأصدقاء وفاء القراء.
شاعر الوطن
وفى مأثرة قالت الدكتورة رفيعة عبيد غباش، إن القبيلة التي تضم بين أفرادها شاعراً تحافظ على بقائها في سجل التاريخ، وكذلك كان وبقي الشاعر محمد خليفة بن حاضر المهيري الحاضر الغائب بكلماته ومواقفه القومية المحفورة في ذاكرة الشعر العربي والإنساني، وعندما نتحدث عن بن حاضر فإننا نتحدث عن شاعر من قلائل، حفروا تاريخاً في وجداننا، وهو أحد أبرز شعراء دولة الإمارات وأكثرهم تأثيراً وحضوراً.
جوهر الإبداع
وأضافت الدكتورة حصة لوتاه في ختام الأمسية عرف عن بن حاضر حبه الجم للناس، وتواضعه، وحماسته لكل جديد، فضلاً عن ثقافته الشعرية الرفيعة ومعرفته العميقة بالتراث، وتضلعه بالأدب العربي والعالمي، وفوق كل ذلك أمانته وموضوعيته. والأكثر استجابة للتعبير عن تجاربهم الروحية والجمالية لتختصر جوهر الإبداع في صورة عملاقة ينشر المدى رؤى وبحاراً لا تنضب.
بطاقة
محمد بن خليفة بن محمد بن حاضر بن حارب بن حاضر من آل بومهير من قبيلة ياس،(1948 - 2011 م). أديب ودبلوماسي إماراتي. ولد في دبي وتوفي في باريس. عضو المجلس الوطني الاتحادي في إحدى دوراته. تخرج في جامعة ليدز ببريطانيا في حقل إدارة الأعمال سنة 1970 م. عمل في السلك الدبلوماسي منذ سنة 1972 م، إذ عمل بداية في سفارة الإمارات العربية المتحدة في بيروت، ثم نقل قنصلاً عاماً في كراتشي بباكستان،أسهم في تأصيل وحضور قصيدة الفصحى متأثراً بشعراء العرب،،ينتمي إلى المدرسة التقليدية الكلاسيكية، لا من حيث الشكل فقط، بل المضمون أيضاً، وكانت له حساسية خاصة تجاه الأخطاء التي تتعرض لها القصائد المنشورة.
ذاكرة
أكد شقيق الراحل حارب محمد خليفة بن حاضر أن منهج وحياة أخيه الراحل تبعث على التأمل والوقوف عندها كثيراً فهو يحمل في فكرة ثقافة شعرية لا يستهان بها وذاكرته متوقدة دائماً، تلقاه مبتسماً على الدوام لا يحمل في قلبه سوى الحب للجميع، مما أكسبه جمهوراً وأصدقاء من داخل الوطن وخارجه فالكل أصدقاؤه، أعماقه لا تحمل إلا قلباً لم يحمل فيه إلا الوفاء والحب لكل من حوله ومخزونه الثقافي الشعبي بالدرجة الأولى أكسبه موروث شعبي نعشق نمطه ومفرداته الشعبية ونتوق إليها.




