خرج اللقاء الثقافي الذي أقيم تحت عنوان «استشراف مستقبل القراءة» بحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير الثقافة وتنمية المعرفة، بعدد من التوصيات المهمة، وأكدت عفراء الصابري وكيل وزارة الثقافة وتنمية المعرفة: أن كبار مثقفي الإمارات المشاركين في جلسات اللقاء الثقافي التي أقيمت يوم أول من أمس في فندق الجميرا أبراج الاتحاد في أبوظبي خرجوا بعدد كبير من التوصيات أهمها التركيز على صناعة الثقافة والمعرفة، باعتبارهما من أهم عناصر القوة في المستقبل.

تنمية شاملة:

قالت عفراء الصابري: أوصى الحضور بالتركيز على آليات محددة لتنمية المعرفة يمكن من خلالها تحقيق التنمية الشاملة اقتصاديا ومجتمعياً بما يحقق رؤية حكومتنا الرشيدة في الوصول إلى سعادة المجتمع بمختلف فئاته.

وأضافت: نجح اللقاء بتشخيص الوضع الراهن فيما يتعلق بالقراءة، وأوصى بمجموعة من الحوافز لتشجيع المجتمع بالانخراط في عالم القراءة ومنها تلخيص أكثر الكتب توزيعاً وطرحها للجمهور وغيرها من الوسائل. وأشارت نحو هدف الوصول إلى صناعة المعرفة التي تعد ثالث عناصر الدخل القومي في أوروبا.

وأوضحت: ولفتت إلى أن المشاركين نادوا بأهمية دراسة التجارب العالمية في التشجيع على القراءة ونشر المعرفة، مع الاستفادة من أدوار الوسائل الأخرى كالسينما والتلفزيون والصحافة والمؤسسات التعليمية، إلى جانب الدور المهم للأسرة والمسجد والأندية.

وقالت إن التوصيات أكدت على أهمية مواجهة التحديات الكبرى لصناعة المعرفة والتحديات المتعلقة بالمحتوى، وأهمية أن يكون جذابا بحيث يحرص المتلقي على اقتنائه، وأوصى اللقاء كما أشارت الصابري إلى أهمية تذليل كافة الصعوبات المتعلقة بعملية النشر. وقالت: لم تغفل التوصيات عن المستقبل وما يكتنفه من تحديات وعلى رأسها تحدي انحسار الكتاب المطبوع أمام النشر الإلكتروني.

وأضافت: أوصى الحضور باستغلال الفرص التي توفرها التقنية الحديثة لإتاحة الكتب والمكتبات بصورة سهلة للجميع، مشيرة إلى التوصية بأهمية التكيف مع وسائل التواصل الحديثة بأن يتميز المحتوى بالجاذبية والمباشرة، مع التأكيد على أن صناعة المعرفة هي صناعة مستقبلية ولا تتعلق بالحاضر فقط.

القراءة وتنمية المعرفة:

تحت عنوان «القراءة وتنمية المعرفة» أقيمت الجلسة الأولى وتحدث فيها كل من معالي محمد المر وجمال بن حويرب المستشار الثقافي بحكومة دبي، وأدارها الدكتور علي بن تميم، الأمين العام لجائزة الشيخ زايد للكتاب، الذي قال: إن ما يمر به العالم العربي من تحديات كان سبباً للتفكير بالمستقبل وفي دولة الإمارات التي تتطلع للبناء كان المستقبل حاضراً باستمرار، وأضاف: شغلت كلمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بأننا سنحتفل بعد 40 سنة بأخر برميل نفط معظم المفكرين وصناع القرار.

وأضاف: هو ما ساهم بالتغيير الجوهري في بنية وزارة الثقافة إذ تمحورت حول المستقبل، ونحن في سياق القراءة علينا أن نتأمل مستوياتها وأبعادها على الأقل.

ليتحدث من بعده محمد المر الذي ركز في ورقته على عدة قضايا رئيسية من أهمها أن للأديب والمثقف دورا كبيرا في تحريك الساكن داخل المجتمع، لإثارة نقاشات ثقافية وفكرية ترتقي بالمجتمع، وطالب بطرح الأعمال التي تتناول تنمية الخيال والقضايا المجتمعية بأسلوب شائق يقبل عليه القراء.

وأكد على أهمية الاستفادة من التجارب العربية في إصدار مجلات متخصصة في تلخيص الكتب الأكثر رواجاً وتقديمها للجمهور، كما فعلت مجلة «الكتب وجهات نظر» التي تصدر في القاهرة حيث حققت انتشاراً جيدا ولفتت النظر إلى عشرات الأعمال الجيدة.

وشدد المر على أهمية عملية المراجعة والمتابعة للأعمال المنشورة للتعرف على تقبل المجتمع لها من أجل التطوير والتركيز على المحتوى والشكل الأكثر جاذبية مع الحفاظ على الرسائل الرئيسية للثقافة، وأضاف: إن الإعلام والفن كانا ومازالا أهم سبل الانتشار للكتاب المطبوع بما يملكانه من قدرات فائقة للوصول إلى كافة قطاعات المجتمع.

مجتمع قارئ

ركز جمال بن حويرب في كلمته على أهمية استشراف التجارب التي مرت بها الدول المتقدمة واختيار ما يناسب مجتمعنا منها لإثراء الحياة الثقافية، وقال: اليوم أخذت القيادة على عاتقها تحويل المجتمع إلى مجتمع معرفي، وإطلاق عام القراءة ما هو إلا دلالة عظيمة على ما سيكون عليه مجتمع الإمارات بعد عشرين سنة.

وأضاف: البداية قد تكون صعبة لكن بوجود المفكرين والمثقفين ووزارة الثقافة وتنمية المعرفة، فإن ما سيأتي من الأيام سيكون فيها تغيير في الناشئة والقراءة.

ونوه بن حويرب إلى مسألة صناعة الثقافة قائلاً: في تقرير يعود للعام 2012 جاءت الصناعة الثقافية في المرتبة الثالثة بعد الصناعة والسياحة، ووصلت عوائدها إلى 9 مليارات ونصف المليار يورو. وقال: إذا قارنا بينها وبين ما يجري في بلداننا سنجد إنها حالة صعبة، حتى إن أحد الناشرين العرب في معرض فرانكفورت أخبرني بأنهم اخترعوا أجهزة لطباعة 200 نسخة فقط.

وأضاف: إن المجتمع العربي مجتمع في أغلبه لا يقبل على القراءة، بعكس مجتمعات الاتحاد الأوروبي الذي تأتي صناعة المعرفة فيه المرتبة الثالثة بعد الصناعة والسياحة بما يزيد على 9 مليارات يورو سنويا، وأكد على أن المحتوى والأسلوب المشوق للأعمال المطبوعة هما الطريق الذي يجب السير فيه لتقريب الثقافة والمعرفة من الجمهور بشرائحه المختلفة.

وأضاف: إن نجاح الدول يبدأ بحكمة قيادتها ورؤيتها الثاقبة التي تتطلع دائما نحو بناء مجتمع قائم على المعرفة والاستثمار في الإنسان والإمارات بلا شك تملك هذه القيادة الرشيدة التي تبذل جهوداً مقدرة للوصول على ذلك الهدف.

ندوة حول مستقبل القراءة في العصر الرقمي

بعنوان «مستقبل القراءة في العصر الرقمي» جاءت الجلسة الثانية للملتقى الثقافي وشارك فيها جمال الشحي مؤسس دار كتاب للنشر ، وشادي الحسن المدير العام والمؤسس لشركة (فلاج شيب بروجكت) وسام بلاتيس مدير العلاقات الحكومية والسياسات العامة بجوجل.

وأدار الجلسة الدكتور سليمان الجاسم مدير جامعة زايد الأسبق الذي أكد على أن اللقاء الثقافي فرصة جيدة للوقوف على الوضع الراهن فيما يتعلق بالقراءة وعلاقتها بالتقنية الرقمية من خلال طرح التجارب الحالية. وقال: يوصل هذا للتطوير والاستفادة في مجال دعم الكتاب والقراءة بشكل عام وصولاً إلى مجتمع واع بقضاياه، متفاعل مع التنمية المعرفية، وأشار الجاسم إلى أن المتحدثين لديهم خبرات متنوعة.

كما أثنى على جهود وزارة الثقافة والتنمية المعرفية لتنظيم مثل هذه اللقاءات وما تقوم به من مبادرات ومشروعات تستهدف تطوير المجتمع الإماراتي ثقافياً ومعرفياً.

تحديات النشر

تحدث جمال الشحي عن التحديات التي تواجه عمليات النشر في العالم العربي، التي تدار حتى الآن بطرق تقليدية. وقال: ربما تجاوزها العالم حاليا مستعرضا تجربة دولة سنغافورة في هذا الإطار من خلال وصولها إلى مجتمع قارئ عبر إنشاء المكتبات في كل مكان ودعم مؤسسات النشر، التي تتفاعل بشكل مباشر مع القارئ من أجل عمليات التطوير المستمرة.

وتناول الشحي في حديثه القلق المتزايد من ما تحتويه وسائل التواصل الاجتماعي من مضامين، والتعلق بأشخاص بعينهم نتيجة سهولة التواصل، وركز على أهمية دعم قنوات نشر الثقافة وانتشارها في الإمارات بجانب دعم صناعة الكتاب بكافة جوانبها.

ثاني المتحدثين شادي الحسن الذي اكد في كلمته على صناعة الكتاب الإلكتروني وما يكتنفها من مشكلات تتعلق بالملكية الفكرية وغيرها. وأشار إلى عزوف الشركات الكبرى عن الاستثمار فيها. وأوضح: أن السؤال ليس فقط عن دعم القراءة إنما يتعلق أيضا بماذا نقرأ وهنا يبرز سؤال المحتوى، مطالباً بتوفير محتوى جذاب دون الإخلال بالقيمة الثقافية والمعرفية والإبداعية.

وأضاف: أن عدد المؤلفين في مجتمعاتنا يتقلص بالمقارنة بالدول الأخرى وذلك نظرا لعدم وجود المردود المناسب للمبدعين والكتاب. وطالب: بأهمية تسليط الضوء على المبدعين وتنجيمهم ومساعدتهم عن طريق تعدد مشاريعهم، وخلق حالة مجتمعية ترحب بالكتاب وتدعم التأليف وتطوير المحتوى، ودعم النشر الإلكتروني في إطار منظومة متكاملة تهدف لنشر الثقافة.

وركز سام بلاتيس في كلمته على أهمية إنشاء جيل قادر على الابتكار في المجالات التقنية ليقدم للمجتمع برامج تعليمية ومعرفية راقية ومنافسة، يستفيد منها الجميع وتسهم في تكوين مجتمع مثقف ومهتم بالمعارف المختلفة، باعتبار المعرفة ليست صناعة للحاضر فقط وإنما تتعدى ذلك إلى المستقبل، كما طرح تجربة جوجل في هذا المجال بالتعاون مع المؤسسات والحكومات.

»كتاب في دقائق« عن مؤسسة محمد بن راشد تجربة رائدة

عرض بن حويرب في الجلسة الأولى لتجربة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، وذكر العديد من مبادراتها وشراكاتها ومشاريعها المختلفة لتعزيز مسارات نقل ونشر المعرفة، وأكد في حديثه على أن المؤسسة أطلقت مبادرة كتاب في دقائق، ومبادرة عائلتي تقرأ، ومبادرة أسس المعرفة، ومبادرة القراءة في الأماكن العامة، وغيرها من المشاريع الخلاقة إيماناً منها بأن القراءة هي السبيل الأمثل للتنمية الشاملة وهي الوسيلة الصحيحة لتنمية شخصية الإنسان.

وحول إصدارات المؤسسة قال جمال بن حويرب: أصدرت مؤسسة محمد بن راشد 75 كتاباً مترجماً واستفاد منها اكثر من 400 ألف أسرة وقدمت أكثر من 20 باقة تضم مجموعات متنوعة من الكتب لتوزيعها على الأسر كباكورة لمكتبة منزلية تحفز على القراءة.

القراءة وسيلة لتطوير الفرد والمجتمع معا

ثمن الدكتور علي بن تميم جهود وزارة الثقافة وتنمية المجتمع وعلى رأسها معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان في تنظيم اللقاء الثقافي باعتباره فرصة أمام المثقفين والأدباء لمناقشة كافة جوانب الثقافة والمعرفة والسبل الكفيلة بتشجيع المجتمع للتحول إلى مجتمع يقرأ، مؤكداً أن هناك العديد من التجارب والخبرات في المجتمع الإماراتي يمكن الاستفادة منها لتطوير المشهد الثقافي والمعرفي داخل الدولة.

وأضاف أن الدعوة الكريمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله بأن يكون 2016 عاماً للقراءة تعد فرصة مثالية لتضافر الجهود لتحقيق الهدف الرئيس لهذه الدعوة الكريمة بأن تكون القراءة وسيلة لتطوير الفرد والمجتمع ثقافيا ومعرفياً.

وقال بن تميم إن أقصى تجليات الثقافة كانت في التسامح، وعلينا أن نتحول للقراءة والمعرفة، وهذا ما تركز عليه الثروة المعرفية كسلوك عام.