موزع في اهتماماته وانشغالاته. فمهامه اليومية، الوظيفية والتطوعية معاً، تستحوذ، غالباً، على وقت راحته والفترات المخصصة للعائلة. إلا أن د. عيسى البستكي- رئيس جامعة دبي، لا يتذمر جراء ذلك. ولا تضيره أو تؤذيه زحمة الأعمال، بل تسعده، طالما أنها تدور في فلك عشقه ودأبه الراسخين: النهوض بسياقات الإبداع في الوطن، وصوغ ألق ارتقائه عالمياً، في الحقول شتى.
لا تحتاج بيّنات أو وقتاً كثيراً لتلمس مدى تجسد العطاء العلمي التطوعي نهجاً ومُراداً في حياة البستكي، بعيداً عن الطابع الشعاراتي والتنظيري. فهو نذر نفسه لهذا النهج وبات يعيش سعادة العطاء بمعناها العميق:
أنا متيم بالوطن. يسكنني شأن تطوره المستدام وتفوقه. لذا فإن جميع جهودي، حتى ولو أنها تستنفد طاقاتي كاملة، أقدمها بحبور وحماس. فأحياناً، وهذا يحدث كثيراً، يكون جدول مهامي مليئاً 7 أيام في الأسبوع. حتى إنني لا وقت لدي، في الفترة الأخيرة، أخصصه لعائلتي، والتي تشفع لي، بالطبع، بل تحمّسني وتشد من أزري لكون السبب تفانيّ في العمل لأجل الوطن وتميزه.
شعار وهاجس
الجودة والاستدامة. شعار وهاجس يوجّهان مسار البستكي. وهكذا فإن البحث والاستشراف العلميين المعمقين، شغله الشاغل وبوصلة يهتدي بها في مرامه الوصول إلى صيغة صناعة إماراتية، اقتصادية ومعرفية متكاملة، تشكل البديل والحضن في مرحلة ما بعد البترول:
لدي هدف ركيزي، أينما حللت وفي أية محطة وحقل أوزع فيهما خبراتي العلمية، في الجامعة أو في المؤسسات المجتمعية العامة أو ضمن سياق التعاون مع جهات محددة.
إنه هدف لا يزال يدفعني ويحرّكني فعلياً، منذ البدايات، حين انخرطت في الكادر التدريسي لجامعة الإمارات ( 1989-1990). فهمّي كان ويبقى: كيف نؤسس في الإمارات لصناعة إلكترونيات وأخرى اقتصادية ومعرفية عامة، بمعايير عالمية. ومن الواجب هنا أن نتسلح بالجودة والنظرة المستدامة.
إذ إنهما مصيرنا ومصدر قوتنا وحضورنا المستقبلي الفاعل. ولا بد أن نلتزم ونعمل بمقتضاهما على خلق قاعدة تعليم ومعرفة تقودنا إلى الاعتراف العالمي، ونشكل في ضوئهما بنية سياحة تعليمية وطبية ومعرفية، إماراتية، مرموقة.
مختبرات للتراث
لم تفلح الحداثة، ومعها مفردات العلوم العصرية ومعطياتها، في أن تسلخ ابن حي الفهيدي العريق في دبي، عن مكنون ثقافته وتراثه. فمفردات المكان وتقاليده حنين وبهاء يتقدان في قلبه وروحه وعقله. لذا ترى الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص بهندسة الاتصالات، قلقاً على مفردات الهوية، متخوفاً من انسلاخ أجيال الشباب الإماراتي عن هويتها في ظل واقعنا المعولم:
تحز في نفسي حال الهوة التي باتت تفصلنا في مجريات يومياتنا، عن تراثنا بمفرداته ومضامينه شتى. والأخطر هنا، أن أبناءنا، جيلاً بعد آخر، سيمسون مغرّبين عنه. علينا أن نتنبه لهذا التهديد. ومن المهم أن ننشئ مختبرات تراث في مدارسنا، شبيهة لمختبرات الفيزياء والكيمياء..
ذاك كي تؤزر منهج التعليم النظري حول التراث والثقافة المحليين، فتوجد صلات حقيقية للطلبة مع تراثهم، ومن ثم تتيح لهم التجريب والمعرفة العملية لمكنونه، فلا تبقى العملية لديهم، بهذا، مجرد صور تخييلية.. قصية ووهمية.
النادي العلمي..غياب الحاضنات
خامات علماء مبرزون وواعدون، يخرّجها ويحتضنها النادي العلمي في ندوة الثقافة، لكن أفق النجاحات النوعية بخصوصه، التي توفر إسهامه في النهضة العملية والفكرية الوطنية، لا تزال محدودة. وهناك سبب رئيس لهذا، يشرحه رئيس نادي الإمارات العلمي:
من المؤكد أن نادي الإمارات العلمي قطع أشواطاً لافتةً في باقة تطلعاته واستراتيجياته وبرامجه. ففيه مبدعون مهمون ونحن نتابع رفد الساحة المحلية بنخبة مبتكرين ومخترعين. إلا أن هذا لا يكفي، ولا يمكنه أن يشكل أو يمثل سقف طموحاتنا. إذ إن جعبتنا حافلة بالخطط والمشروعات والذخر والخامات..
ولكننا، فعلياً، نعاني من عقبة كأداء تكبل ما نرومه ونعتزمه في تحقيق قفزات نوعية. فلا حاضنات إبداعية لهؤلاء العلماء الشبان، سواء رسمية أو مدنية مجتمعية متخصصة، تمدهم بجرعات الدعم وتغذي قدراتهم وتهيئ لهم احتياجاتهم كافة، ومن ثم تحفز عطاءهم من خلال تبني ابتكاراتهم ودعمهم اللا محدود.
حلم وشغف
عيسى محمد البستكي. قارئ نهم، شغِف باللغة العربية وبصنوف الثقافة والعلوم..مُحب للشعر (رغم أنه المجال الوحيد الذي فشل فيه). ولكن اهتمامه الرئيسي منصب على قضية يعدها مفصلية، ويلخصها:
أحلم بتلك اللحظات التي تشاهد وتختبر فيها دول العالم، منتجات ممهورة بعبارة: »صُنع في الإمارات بمواصفات دولية«. إنها أمنية تداعبني وتستنهض همتي باستمرار.
