أن يكون الشعر ساحةً للإبداع، ومتنفساً حراً لأصحابه يُعبرون من خلاله عن همومهم وأفكارهم، ويجوبون حدود العالم بأناقة الكلمة ورقي الفكرة والطرح، فتصل رسائلهم إلى المتلقي، مُلامِسةً عقله وقلبه، فهذا ما تعيش لأجله الدواوين.
ولكن أن يتحول الشعر إلى جبهة لإعلان المواقف السياسية أو الحزبية.. أو منبراً للشتائم، فهذا يستلزم وقفة مع الذات، ومع مفهوم الإبداع، فلا الخروج على القوانين يخلق إبداعاً لا مثيل له، ولا التمرد على العادات والأعراف يرتقي بالشعر.
فإلى أي مدى يُسمح للشاعر أن يخوض في جوانب لا يُسمح لغيره الخوض فيها تحت مسمى الإبداع؟ وهل هناك خطوط حمر يجب على الشاعر تجنبها، وإلى أي مدى عليه أن يكون حيادياً في طرحه لأفكاره ومشاعره؟
«البيان» تواصلت مع بعض الشعراء، إذ أكدت فئة منهم أن جمالية الشعر في احترامه للقانون، وأن الحياد مسألة نسبية، فيما رأى آخرون أنه على الشاعر الحقيقي أن يقفز في الفضاء، لأن الشعر يتعدى كثيراً مفهوم الخطوط الحمر.
ضوابط
أكد الشاعر عبدالله الهدية أنه في عصر الانفتاح في العالم الافتراضي، لا بد من وجود الضوابط. وقال: الفن من أجل الفن، والشعر من أجل الشعر فيه تعدٍّ على الآخر، لأن الحياة تحكمها الضوابط والقوانين.
وأضاف: هناك من يردد بأن لا سلطة للعادات والتقاليد على الإبداع، أو لا سلطة من أي نوع على الشاعر، ولكنني أقول إن الثوابت ستتأثر لو تركنا الحبل على الغارب في الشعر وسمحنا أن تتلاشى الثوابت لدينا، فهذا أمر مرفوض وسط العالم الافتراضي الذي غزانا من كل جانب. ولفت الهدية إلى أنه لو لم تحكم القصيدة أي سلطة، لتجاوز صاحبها القانون، والخروج على القانون لا يمت للجمال بصلة، والتمرد على العادات والأعراف ليس الطريق للإبداع.
منعطفات حرجة
أشار الشاعر عامر الرقيبة إلى أن الحياد موضوع حساس، ومسألة نسبية تختلف من شاعر إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر. وقال: أعتقد أنه في الأمور التي تهم مصير الدول وفي المنعطفات الحرجة تحديداً، يجب على الشاعر أن يقف موقف المتفرج المراقِب الحذِر أكثر من المُشارِك، وأن ينحاز تماماً لمصلحة العامة، لأن هذه المنعطفات عادة ما تُولَّد فتناً فيها نوع من الاشتباه.
وأشار الرقيبة إلى أن مثل هذه الظروف المجتمعية (حراك وتقلبات في بنى الدول)، تفرز أموراً معينة متعلقة بالجوانب الإنسانية، وقال: كل الأحداث التي مرت على الأمة العربية أفرزت ما يجب أن يتعاطف معه الشعراء، مثل مسألة اللجوء..وأدَّعي أنني من أوائل الشعراء الذين كتبوا في هذه الثيمة، من خلال نصي «مونولوج طالب لجوء»، الذي ضمه آخر دواويني «نوافير لا تعرف الصمت».
رأى الشاعر العراقي قاسم سعودي، أن وظيفة الشعر الجمالية في الدفاع عن إنسانية الإنسان، تتقاطع مع مفهوم الخطوط الحمر، لكن الراهن الثقافي والسياسي والفكري الذي ينبع من الذاكرة الجمعية للمتلقي العربي وللمؤسسات التي تعمل جاهدة في تأطير هذا المفهوم بالعديد من المجسات الرقابية والشعورية، ربما يجعل من الشاعر رهينة لتلك الحواجز العالية.
وتابع: على الشاعر الحقيقي أن يقفز في الفضاء، لأن الشعر يتعدى كثيراً مفهوم الخطوط الحمر، وغيرها من العقبات والعوائق الاجتماعية والسياسية والفكرية، ولكن دون أن يتخطى حدود العادات والتقاليد والقيم الأساسية.. ومراعاة المصلحة الوطنية المجتمعية العامة. وكذا من غير التخلي عن وظيفة الشعر الجمالية ومحاولة تكميمه.
وأضاف: أظن أن هناك خوفاً عميقاً من كينونة الشعر كمحفز رئيس لكل تفاصيل حياتنا وأفكارنا، وهذا بدوره يتطلب وعياً عالياً من الشاعر لدوره الجمالي النبيل، والقصيدة العربية لا تحتاج المغامرة وتهشيم المنضوي في منظومة القيم والأعراف المجتمعية، بمقدار ما تحتاج إلى مفاتيح جديدة للأبواب الموصدة على صعيد المخيلة والتناول والكشف.
