في ظل غياب الدعم المادي، والمحفزات المعنوية، وفقدان الأمل في تحسين وضع المسرح والمسرحيين، إضافة إلى انشغال الجمهور بالتقنيات الحديثة، هجر كثير من الممثلين «أبا الفنون»، واستسلموا لإغراءات الدراما التلفزيونية، التي يعزز ألقها دعم المؤسسات والمعلنين.

حالة تقشف

الممثل صلاح الملا، الذي يعد من الركائز الأساسية للمسرح الخليجي عموماً والمسرح القطري خصوصاً، أدار ظهره للمسرح من أجل الدراما التلفزيونية، وقال: من أبرز مزايا المسرح الذي عرفته الوضوح والواقعية والقرب من الناس، وقد كنت منخرطاً بالدراما التلفزيونية والأعمال المسرحية في الوقت ذاته، إلى أن بدأ المسرح يعاني من التقشف، حيث صدرت قرارات لاختصار أعداد الفِرق المسرحية، وللأسف لم يستطع المثقفون في ذلك الوقت الدفاع عن المسرح والمسرحيين.

أبواب مشرعة

وأضاف: ما قصم ظهر استمرارية الحركة المسرحية والثقافة والفن بجميع أشكاله، الغزو العراقي على الكويت، الذي مهد الطريق لظهور المسرح الجاد وغيره معاً، فأصبحت المسألة عبثية لدى المؤسسات والأفراد ولا تخضع للخبرة، كما أصبحت الأبواب مشرعة لكل من هب ودب إلى جانب عدم الاهتمام أو التركيز على المضمون، وبالنسبة لي فقد فضلت عدم المشاركة في هذا النوع من العبث واتجهت إلى الدراما التلفزيونية.

رسالة ومسؤولية

وأوضح الممثل محمد المنصور، الذي طرز ذهن الجمهور بأعمال مسرحية عالية المستوى، أنه حمل وزملاؤه المسرحيون مسؤولية رسالة المسرح منذ الستينات، ولكن سقف الدعم المادي منذ الستينات وحتى يومنا هذا لا يكفي لإنتاج أعمال مسرحية نوعية ومشرفة، وبالرغم من ذلك لم يدعوا تلك العقبة تثنيهم عن المسرح وكانوا ينتجون نحو أربع مسرحيات في الموسم الواحد.

وقال: احترام الجمهور للمسرح ومكانة المسرح والمسرحيين لم يعد كما كان في السابق، فعندما تسلمت إدارة المسرح في التسعينات، لاحظت خلال عرض إحدى المسرحيات المميزة، أن الجمهور منشغل بأشياء أخرى غير المتابعة، فهناك من كان منشغلاً بالمغازلة وهناك من كان يتواصل هاتفياً مع أهل بيته ليتخذ بعض القرارات الشرائية، فطلبت وضع أجهزة تقطع إرسال الهواتف النقالة في أرجاء المسرح، دون إخبار زملائي الفنانين، وذلك لتحفيز الجمهور على احترام الحوار المسرحي.

وأضاف: الجمهور لا يتحمل المسؤولية كاملة في الحالة التي وصل إليها المسرح، فأنا أعتب على كثير من الفنانين الذين يخرجون عن النص في المسرحيات، ويرتجلون كنوع من الاستعراض والضحك على الحضور، متجاهلين جهد المؤلف ورسالة العمل.

متغيرات

أما الممثلة سعاد العبدلله، فقالت: لنكن واضحين ونتجرد من جميع الشعارات، هناك كثير من العوائق التي حالت دون الاستمرار على خشبة المسرح، من بينها المتغيرات السياسية في المنطقة وظهور تيارات متنوعة أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على المسرح، إلى جانب عدم وجود محفزات للفنانين للاستمرار، وانشغال الجمهور بالتقنيات الجديدة، ما جعل المسرح مقتصراً على النخبة.

نصيحة

الممثل ورئيس مجلس إدارة مسرح دبي الشعبي، عبدالله صالح، ينصح الجيل الجديد من الممثلين بتأسيس أنفسهم على خشبة المسرح أولاً ثم التوجه نحو التلفزيون، وقال: هجرة الممثلين للمسرح أمر طبيعي، في ظل ظهور قنوات تواصل جديدة مع الجمهور، تؤمن لهم الرزق والشهرة في آن واحد، إضافة إلى أن غالبية الممثلين أصبحوا أكثر ميلاً نحو الذهاب إلى الجمهور بدل انتظاره، وبالنسبة لي فأنا متمسك بالمسرح وأتواصل مع الجمهور عبر الدراما التلفزيونية.

نجومية

وأشار الفنان والمنتج أحمد الجسمي، إلى أن المسرح في الإمارات لا يزال محتفظاً بوهجه ومكانته، والمهرجانات المسرحية خير دليل على ذلك، وقال: نشاط الدراما يتطلب مشاركة من نجوم التلفزيون ونجوم المسرح، والتلفزيون عموماً يسحب البساط من تحت المسرح، لأنه يوفر للممثلين النجومية والانتشار والدخل المرتفع.

صمود

على صعيد آخر، لا يزال الممثل سعد الفرج، متمسكاً بالمسرح على الرغم من تقدمه بالسن وقال: المسرح حياتي، ولا بد أن أقدم شيئاً على خشبته طالما أنني أتنفس، وحتى عندما يتم التضييق علي في الكويت، لا أيأس، وأسافر لقطر لتقديم عروضي هناك، لأن الوقوف على خشبة المسرح يعيدني شاباً عشرينياً وينسيني تقدمي في السن.

مطلب

تمنى الممثل سعد الفرج أن يتم رفع سقف الحرية في وطننا العربي حتى يكون هناك نتاج مسرحي مميز ونوعي، لاسيما أن الفنان الأصيل هو رقيب ذاته، ولن يتجاوز الخطوط الحمراء أو يسيء لمكانة المسرح.