سلامٌ على زمنٍ كانت فيه المعلقات حديث الناس، ورسائل البريد وسيلة التواصل بينهم، وها نحن اليوم في زمن «تويتر» و«فيس بوك» و«إنستغرام»، وأبيات شعر لم تعد تتجاوز عشر كلمات، وقصص قصيرة لم تعد تتعدى السطر الواحد، لنجد أنفسنا أمام «أدب ديليفري»، سريع وقصير، سهل التداول والنقل والحفظ، سمَّى كلُ من كتبه نفسه كاتباً وشاعراً، واستقى بشأنه تعليقات القراء والأصدقاء، ليتحول في دقائق إلى أديب مخضرم، تمتلئ قائمته بالمجاملات والتصفيق والإشادة، رغم عدم أحقية ما كتبه بكل ذلك.

فإلى أي مدى تضيف الـ «تويتريات» وأدب «فيس بوك» وغيرها، إلى الكاتب، وهل من الممكن أن تؤدي إلى أعمال ذات قيمة وجودة عالية؟

«البيان» التقت بعض المختصين في الأدب والشعر، ليؤكدوا أن هذا الزمن هو زمن مواقع التواصل الاجتماعي، ولافتين إلى أن الاختصار الذي يواجه الأدب اليوم، هو إبداع مختصر جاء كنتيجة طبيعية لمتطلبات عصر السرعة.

ذكر الكاتب المصري أحمد سراج، أن الوضع اليوم يشبه الوضع في الماضي، فقال: سابقاً، كانت لدينا القصيدة العربية، وكنا نأخذ منها أفضل بيت فيها، وأفضل حكمة منها، وبرز لدينا اليوم القصيدة القصيرة جداً، وبرأيي أن الوسيط الإلكتروني سواء كان «فيس بوك» أو «تويتر» يجب ألا ينشئ جنساً أدبياً، ولكن المفروض أن تستفيد منه الأجناس الأدبية.

ليكون الحاكم أولاً وأخيراً هو الفن، لتساعد الوسائط في تطوير الأجناس الأدبية بعض الشيء، بأن تنتج شيئاً داخلها، ولذا، علينا أن نترك الفرصة لهؤلاء الذين يلجؤون لمواقع التواصل بهدف تطوير أنفسهم بناءً على آراء المستخدمين، فربما أثمر سعيهم عن أدب جيد.

ولفت سراج إلى أن مواقع التواصل أصبحت تتفاعل مع المستخدمين لتلبي احتياجاتهم، وقال: لم يعد «تويتر» ابن 140 حرفاً فقط، أو موقعاً مصغراً للتدوين، إذ يتيح إمكانية إضافة الصور والفيديو، وهذا يلبي احتياجات المستخدمين.

وأنهى سراج حديثه بالقول: لندع الجميع يتحرك، إذ من الممكن أن يفيد هذا الأمر النص الأدبي، ولكننا كعرب، لدينا مشكلة اعتدنا عليها، وهي أننا نهاجم الإبداع ثم نعود لنتبناه، ولكن علينا أن ننظر للمستقبل، لنرى إن كان هذا الأمر يناسب واقعنا أم لا.

أدب وأدوات

أشارت الشاعرة الهنوف محمد إلى أن أدب مواقع التواصل هو ما يفرض نفسه اليوم، وقالت: لكل زمن أدب وأدوات، كأدب الرسائل الذي كان سائداً في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، وفي ذاك الوقت كنت أتواصل مع الصحف عبر رسائل البريد الورقية، ليأتي بعد ذلك زمن الإيميل، وقبله الفاكس.

وأضافت الهنوف محمد: أنا لست مع أو ضد استخدام هذه الوسائل فيما يتعلق بالأدب والشعر، ولكن هذا الزمن هو زمن «تويتر» و«فيس بوك» و«إنستغرام»، ورأيت شعراء نجحوا في إصدار دواوين من خلال قصائد قصيرة جداً مثل الشاعر حمدة خميس، التي أصدرت ديوانها «إس إم إس» ونصوصه عبارة عن رسائل نصية كانت تبعث بها في مناسبات مختلفة، ثم جمعتها لما لاحظته فيها من شعرية.

وعما إذا كانت هذا النوع من الأدب يضيف لكاتبه قالت: عيبه يتمثل في أنه قصير جداً وفيه محدودة، ولكن يفيد الشاعر من حيث الانتشار، ولكن خطورته تكمن في أنه يحتاج إلى دقة وحذر، فإما أن يرفع صاحبه إلى أعلى، أو يهبط به إلى الأسفل.

متطلبات العصر

أكدت الدكتورة نانسي إبراهيم مدرس الأدب والنقد الحديث بكلية الآداب بجامعة قناة السويس، على إيمانها بتطور الأجناس الأدبية، وقالت: الاختصار الذي يشهده الأدب اليوم نتيجة طبيعية لمتطلبات العصر السريع، فالقارئ لم يعد يحتمل الإسهاب أو التطويل، وبالنسبة لي فأتقبل وجوده وحضوره، ولكن بشرط أن تحتفظ النصوص بتقنياتها، ولا تنشق عنها أو تتخلى عن المقومات الفنية الواجب توافرها فيها، ليكون الاختصار والتكثيف تقنية إضافية.

 ولفتت نانسي إبراهيم إلى أن كل جنس أدبي يجب أن يحتفظ بمقوماته، فالقصة القصيرة جداً يجب أن تحافظ على الشخوص والأحداث، وتحتوي على الدهشة والمفارقة، وتجر وراءها احتمالات وتأويلات وتساؤلات، من خلال سطر واحد مثلاً، والأمر نفسه في القصيدة القصيرة جداً، يجب أن تتوفر فيها المقومات الشعرية.

وأشارت إلى أن الكثيرين وقعوا في مطب الاستسهال فيما يتعلق بأدب التواصل الاجتماعي، ما جعل الأمر محط سخرية، وزاد عدد الدخلاء عليه.