بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية الذي يصادف الثامن عشر من ديسمبر، استضافت ندوة الثقافة والعلوم بدبي أول من أمس الأديب والمفكر السوري المعروف د. سمر روحي الفيصل في محاضرة بعنوان «حاضر اللغة العربية» قدم لها علي عبيد الهاملي، وتناولت بالبحث والتحليل واقع لغة الضاد وتحدياتها الراهنة واستشرافاتها.

مكانة فريدة

استهل الهاملي الأمسية بحديثه عن مزايا اللغة العربية فقال: إذا كان لكل لغة يوم، فإن للغة العربية كل الأيام، عندما كنت في زيارة للصين منذ أيام قليلة، زرت مركز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وفوجئت هناك بأن للغة العربية مكانة فريدة ربما لم أجدها عند أبناء هذه اللغة، ورأيت صينيين يتكلمون العربية أفضل من أبنائها، والطلبة يلقون خطباً باللغة العربية الفصحي أعتقد أن كثيراً منا لا يستطيع إلقاءها أو حتى فهمها، هذا المركز تأسس بمنحة سخية من المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.

العامية

وابتدر الفيصل محاضرته بالإشارة إلى أننا جميعاً أبناء هذه اللغة فهي لغة عقيدتنا وهويتنا وتراثنا، وإن حاضرها يحتاج إلى حوار موضوعي حول القضايا والمفاهيم اللّغويّة المرتبطة بالإنسان العربيّ، من خلال ثلاث نقاط هي: العاميّة، وتعليم العربيّة، ولغة الأدباء الشبّان، فعندما نتحدث عن العامية نستطيع أن نؤكد أن حاضرنا اللّغويّ يحتاج إلى إعادة تشكيل الحقيقة اللّغويّة الخاصّة بالعامية، فالباحثون الأجانب صوروا العامية في القرن التاسع عشر على أنها المنقذ من حالة التخلّف العربيّة. واقترحوا هَجْر الفصيحة لصعوبتها، واعتماد اللّغة الانجليزية، أو الفرنسيّة، لأنّهما لغتا العلم والبحث العلمي والاختراع، وتساءل الفيصل عن الشيء الذي يجعل هذه العامية، بل العاميات العربيّة، حية لا تموت؟ واعتبر أن العامّيّة أخت شرعيّة للغتنا العربيّة الفصيحة، والسعي إلى القضاء عليها وهم من الأوهام، وخلل في الفهم اللّغويّ تداه الازدواجيّة اللّغويّة العربية.

الهوية العربية

حاضر اللغة العربيّة يعاني من قضيّة تعليم اللغة العربيّة، وقد أشار الفيصل إلى أنها قضيّة مركبة ومتعددة الوجوه لكنّها تنطلق من فكرة رئيسة زرعها الأجانب وصدَّقها العرب، وهي (صعوبة اللّغة العربيّة)، وعدم صلاحيّتها للتّعليم لأنّها معنيّة بالأدب، وبعيدة عن العِلْم ومصطلحاته، والانجليزيّة هي البديل للعربيّة ولغة العلم، ويري الفيصل أن اللّغات كلّها صعبة، ولكن إذا رغب الإنسان في تعلُّم أيّة لغة فإنّه مطالَب ببذل الجهد والوقت. واللغة العربية كذلك، وقد أثبتت تجارب العرب في العصر الحديث أن إتقان العربيّة ممكن والتّعليم بها أفضل بالنّسبة إلى الطّالب العربيّ، وتسأل المحاضر عن إهمال بعض الدّول العربيّة تعليم أبنائها اللّغة العربية وتردي المستوى اللغوي للطلبة، وأكد أن نمو الهويّة العربيّة مرتبط باختيار اللّغة العربيّة، وغرس الثّقة في نفوس الطّلاب بأنّ إتقانهم العربيّة أساس النجاح والإبداع.

سيد اللغة

ويرى الفيصل أنه انتهي الزمان الذي كان فيه الأديب سيّد اللّغة ومعلِّمها وحافظها والمبتكر في أساليبها، فزمان طه حسين وعبّاس محمود العقّاد انتهي وأصبحت مؤلَّفات هؤلاء الرّوّاد تُقرَأ ولا تُقلَّد؛ لأنّ لغة الأدب مالت إلى السّهولة والوضوح والتّلاؤم مع طبيعة الأجناس الأدبيّة، فهذه المفاهيم كانت سائدة في النِّصف الأوّل من القرن العشرين عن الأديب ولكنها تلاشت في الرّبع الأخير من القرن العشرين، وحلَّ محلَّها سلامة لغة الأديب، وقدرته سرد الأحداث في النّثر، وإبداع الصُّور في الشِّعْر.

فرض واجب

وأشار إلى أنه في السّنوات الأخيرة، بدأنا نلاحظ تراجعاً واضحاً في المستوى اللّغويّ للأدباء الشبان الجدد، نتيجة كثرة الأخطاء اللّغويّة والنَّحْويّة والإملائيّة في نصوصهم، فالأديب لا يستطيع الإبداع بغير إتقان لغة التّعبير، والأديب العربيّ تحديداً سيبقى مطالَباً بالمحافظة على اللّغة ويعتبر ذلك فرض أدبيّ ووطنيّ وقوميّ، بل إنّه (فرض واجب)، وأرجع أسباب الضعف اللغوي إلى اللامبالاة التي بدأنا نراها عند بعض الشّبّان.

شهد المحاضرة لفيف من المهتمين بينهم سلطان صقر السويدي رئيس مجلس إدارة الندوة، والأديب محمد المر، والدكتور صلاح القاسم مستشار هيئة دبي للثقافة والفنون. وأقيم على هامش الفعالية معرض تضمن مخطوطات أدبية ولغوية نادرة.