أن تحاور شاعراً وروائياً مثل بِن أوكري، فهذا يعني أن تُفَعِّل حواسك الخمس، لتتذوق طعم المعاناة، وتسمع صوت طلقات الرصاص، وتستنشق رائحة الموت في كل لحظة، لتكبر وفي عينيك حلم تراه يكبر أمامك، وتتحدى بإرادتك كل الصعوبات، حتى تلامس أخيراً أعلى درجات النجاح.

رحلة عنوانها الشغف والإلهام، أخذنا فيها الكاتب والروائي والشاعر النيجيري بِن أوكري، الفائز بجائزة مان بوكر، عرجنا فيها على معاناته، وعشنا معه قسوة الحروب الأهلية، لنتخذ موقفاً سياسياً ينتصر للحياة، ونرجم الحياد لنصيبه في مقتل.

«البيان» التقت بِن أوكري، ليؤكد أن المعاناة قد تدمر هوية الإنسان، ولكنها تمنح المبدع إلهاماً يفوق الحدود، مشيراً إلى أنه لا يمكن لأي إنسان أن يكون حيادياً، ومعبراً عن رغبته في أن يكون السياسي فناناً يسهم في بناء حياة أفضل. سألناه:

على قدر المعاناة يكون الإبداع، ما تعليقك على ذلك؟

ليس دائماً، أعرف أشخاصاً كثيرين عانوا بشدة، وتسببت المعاناة في تدمير هويتهم، فالمعاناة تقضي على العقل أحياناً، وأحياناً تقتل الروح، إلا أنها في المقابل تزيد عمق شعور الإنسان بالحياة، وتريه جميع الاحتمالات حوله، وتوسع مداركه ووعيه على الظروف الحياتية التي تحيط به، وبالنسبة للمبدع، فتقدم له المعاناة مادة غنية في مختلف المجالات، كالكتابة والرسم والموسيقى والرقص، ولذا، فنحن بحاجة للمعاناة لنكون جزءاً هاماً من الفن.

معاناة

عانيت في طفولتك من الحرب الأهلية في نيجيريا، كيف بلور ذلك إبداعك، ولأي مدى انعكس على كتاباتك؟

أن تنشأ بين الحروب الأهلية، فهذا يعني أن تفقد علاقتك بالمحيطين بك، وأن تحرم من حضن والدتك، لتلقى نفسك في أحضان الذعر، وكان لذلك الأمر تأثير كبير في حياتي، وتأثرت كثيراً بقسوة الحروب الأهلية حين كنت طفلاً ، رأيت الموت بعيني هاتين.

موقف سياسي

في ظل ما يسود العالم من أحداث سياسية، هل من الضروري أن يكون للكاتب موقف سياسي، أم يجب عليه أن يكون حيادياً؟

أعتقد أنه ليس ممكناً لأي إنسانٍ أن يكون حيادياً أمام ما يتعرض له في الحياة، إذ يجب أن يكون لكل منا موقف سياسي، وبعض الأفكار حول الكيفية التي نريد الحياة عليها، وأن نكون حياديين، فهذا يعني أن نسمح للحياة أن تسير بالشكل الذي هي عليه، بكل سلبياتها وسيئاتها، ما يعني أن نناقض أنفسنا بالموافقة على ما نرفضه، ولذا، لا يمكن لأحد أن يكون حيادياً، فمن المهم أن نختار كيف يجب للحياة أن تكون، وأن يستخدم كل منا صوته وموقفه السياسي ليجعل ذلك ممكناً.

ما هي مشكلتك مع السياسيين؟

مشكلتي معهم، أنني كنت أتمنى لو أنهم كانوا فنانين، لأن الفنانين بطبيعتهم يدخلون في حياة الناس وهمومهم، ولو كان لدينا سياسيون يمتلكون خيال الفنان ورؤيته، لكُنا اليوم نمتلك عالماً أفضل، وبرأيي، أنه كلما تعمق السياسيون في الفن، سيكون النفع أكبر.

حصاد

هل أنت راضٍ عن مستوى الأدباء النيجيريين اليوم؟

في نيجيريا، لدينا اليوم جيل جديد رائع من الأدباء والشعراء والروائيين، وأعتقد أن الوقت الحالي هو موسم الحصاد بالنسبة للأدب في نيجيريا.

ما رأيك في معرض الشارقة الدولي للكتاب؟

معرض متميز بجميع المقاييس، وشرف لي أن أكون هنا اليوم، في مدينة الشارقة التي أعشقها، وأتطلع لأن أتجول فيها قدر المستطاع، وأن أزور السوق المركزي «الإسلامي» ومتحف الشارقة للفنون.

هل لا تزال تذكر قصص وحكايات والدتك؟

نعم، تسكن حكايات أمي في ذاكرتي ووجداني، وقد كان لها تأثير كبير في طريقتي بالكتابة، فأمي لم تكن مباشرة في سردها للقصص، لأنها تعلم تماماً أنها لو كانت كذلك، فلن أستمع لها، فالناس لا يجذبها الأسلوب المباشر، بقدر ما تجذبها المفاجآت الكامنة بين السطور.