توقع روايتها غداً في "معرض الشارقة للكتاب"

جنى نصر الله و"نومها الأبيض": رواية عن الزمن حين يحفر في وجه امرأة!

"هذه ليست أزمة منتصف العمر، بل هو انقضاء العمر الذي لا ندرك أنه يسيل كالماء الا مع تقدمنا بالسن".

في رواية جنى نصر الله، "النوم الأبيض"، التي توقعها غدا في "معرض الشارقة للكتاب"، ثمة نساء وزمن. وجوه متعددة لامرأة واحدة. أو بوسعنا القول إنها ثلاثة مستويات وطبقات لوجه واحد: الكاتبة، نصر الله ذاتها، وبطلتها نوى التي هي في الرواية كاتبة أيضا، ولديها بطلة، لا نعرف اسمها، أو أن نوى لا تريد أن تسميها، والطبع هي، في الأصل، رغبة الكاتبة: جنى!

متاهة؟ ليس بالضبط، وان كانت نصر الله، الآتية من تاريخ عتيد في الصحافة اليومية، مدعمة بحس ساخر وأسلوب يصلح أن يطلق عليه "سهل ممتنع"، وقدرة على تخيل الحوارات، والتقاط التفاصيل بشكل مدهش.. ربما تكون قد تقصدت أن تدخل قراءها في تلك المتاهة اللذيذة، تماما كما هي الحياة. أليست أيامنا في نهاية المطاف هي في جوهرها تجسيدا لرغبتنا الممتعة بالعيش والبقاء والاستمتاع؟ ثم تصدنا حقائق مرهقة لكي تسقط الكثير من أوهامنا الجميلة، ومع ذلك نفضل المتاهة على الفناء.

الحياة مقابل الفناء. خط رئيسي في هذا الكتاب: الجسد، مرآة الزمن، ودرع مواجهته في واحدة من أكثر المقاربات الأدبية الحديثة جرأة وعمقا في الاحالة اليه:" أنا لا أعيش في السرير بل تجري حياتي خارجه"، تقول البطلة لصديقتها، رافضة اختزال ايقاع الجسد على العلاقة الحميمة. اذ أنه، مع الزمن، الراويان الحقيقيان لسيكولوجيا الشخصيات وأفكارها ومشاهد عوالمها. ثنائي الزمن- الجسد يدخل القارئ في المتاهة ذات الأبواب المنوعة.

باب الحب
بطلة الكتاب التي لا تحمل اسما، تعيش مع شريكها تحت سقف واحد، ولكنها تعيش مع أفكارها، تحت سماء شاسعة من التخيلات التي لا سقف لها. يطلق خيالها المجنح بتوهج الرغبة، في مرات، انجذابها الى زميل نعرفه باسم "النجم التلفزيوني".  صراع الغواية والرفض، التمرد على "كليشيهات" المجتمع التي حفرها بقوة  وبلا رحمة، والرضوخ لذنب المحب، كوابيس الليالي المؤرقة التي تتجسد عن طريق الأنثى- الذات، كما القرين الذين يخيفنا، بصورته المشوهة عن أنفسنا.. كل تلك الهواجس، تخترق كل سقف:" أي عبقري هذا الذي قلص مفاهيم الاخلاص فقصرها على الشريك الواحد.. لماذا لم تتغير مفاهيم الخيانة والاخلاص وكل ما يدور في فلكهما منذ فجر التاريخ؟" تسأل المرأة التي في الخامسة والأربعين، والتي تعرف تماما كيف تكون خفيفة كفراشة او كلعبة شقية في صدف "الغرام"، كتلك التي جمعتها مع شريكها في حادث سيارة، والتي تعرف أيضا، كيف تكون سيدة تقطر منها الغواية في جلسة رومانسية في مطعم مع مشتهاها "النجم التلفزيوني"، ناهيك عن امرأة الرغبة الممتلئة التي يؤججها البحر، في الفصل الختامي في الرواية حيث تقضي ليلة مع شريكها قبل أن تختفي آثارها الصغيرة على الرمال. هل يختفي الحب أيضا؟ علينا أن نتوغل أكثر في السطور لكي نجزم بإجابات.

باب الموت
في تلك اللعبة، مسبوكة الحبكة والتشويق، بين الكاتبة نوى التي تعمل صحافية أيضا، وبين بطلتها، التي "اعتزلت" مهنة الصحافة وعبرت فوق اوهامها، ثمة علاقة موت وحياة مستمرة. على النمط الفرانكشتاني، تخلق نوى سيرة بطلتها، كانعكاس قلق لسيرتها الذاتية او اشتهاءاتها، وتظن أنها قادرة على أن تمسك دوما بخيوط هذه "اللعبة"، الى أن تنقلب البطلة المخلقة على صانعتها، لتواجهها بما ارادت دوما الهروب منه. في احدى ابرز المواجهات التي تعتبر، على اختلاف أشكالها، عصبا رئيسيا للكتاب، تقول البطلة لنوى:" هذه هواجسك يا عزيزتي وهي ليست من نسج الخيال كما تدعين. أنت تخشين العمر أكثر مما أخشاه، تخافين من آثاره التي تحفر عميقا وتهابينها".

مواجهة أولى وصارخة، كان علينا أن ننتظر 165 صفحة اضافية لكي نتبين حجم الفداحة التي يعكسها ذلك الحفر المخيف:" فكرت من سيسير في جنازتها؟ من سيرثيها؟ ماذا سيكتبون عنها في الصحيفة، أي صورة سينشرون لها؟.. كانت تنتقل من موت لآخر، تفكر في الأمكنة التي ستفتقدها بعد رحيلها، في الأشياء التي ستبقى بعدها، في ديمومة الشوارع والأبنية والأشجار المعمرة والآثار الخالدة، وفي فنائها هي".

لنكتشف أن رهاب الفناء قد يكون المحرك الرئيسي لدى الكاتبة نوى لكي تكتب عن حياة تلك الشخصية.

الكتابة فعل حياة ومضاد لفخ الفناء. الخلود، مشتهى الكتاب المستعصي، ماثل في فكر نوى، كما  في أحلام بطلتها. وحين فكرت نوى بترتيبات دفنها، فكرت أن تترك في وصيتها هذا الأمر لشركة متخصصة، لكن "ارعبها احتمال أن يسألها المسؤول عن التنظيم: سيدتي، متى تتوقعين موتك؟ حتى يدرجه على دفتر مواعيده".

ثمة مشهد قاس، يجسد النهايات، والفزع الكبير منها. الكاتبة نوى تنهار أمام مشهد مدرسة الطفولة وقد تحولت الى ركام. لقد انمحت آثار الطفولة الى الأبد، ولا شيء سيذكر بها. لم يتبق الا العمر الذي يهرول. يحدث ذلك، فيما بطلتها أيضا تقوم بمشهد مواز هو عبارة عن زيارة لجامعتها تجعلها تقف أيضا على مفترق الذكريات والايام التي ولت.

بالحب، تحاول نوى، كما بطلتها، أن تهربا من مأزق مرور الزمن. تلهثان وراءه، تتسابقان، حتى أن خطوة أحدهما تتعثر او تتوحد (بطبيعة الحال) مع الثانية: تحلم الكاتبة نوى، على نفيض "المنطقي"، بمعشوق بطلتها المتخيلة!

باب السخرية
تلك السخرية المرة التي ميزت أسلوب نص الله نتلقفها في مسيرات مختلفة في "النوم الأبيض". انها سخرية بوسعنا أن نسميها "وجودية"، ولا تنحصر بخفة الظل. تسخر نصر الله، عن طريق بطلتيها (او بطلتها بشكل أدق اذ أن نوى ومخلوقها واحد)، من كل شيء: الاعلام وأهله "الذين يتعاملون مع أنفسهم ومع من حولهم بوصفهم نجوما عالميين. يكفي أن يظهروا مرة واحدة على الشاشة الصغيرة ويشاهدهم جيرانهم في الحي، حتى يتحولوا طواويس".

منظمات المجتمع الأهلي التي باتت أكثر من المنتسبين اليها. الخطاب النسوي الذي تمقته، خاصة حين يتحول الى جلسات ثرثرة لا طائل منها (ثمة صفحات مسهبة في هذا السياق)، قوانين المجتمع البطريركي الذكوري الذي يحلل للرجل ما يحرمه على المرأة:" لماذا يحق للرجل ما لا يحق للمرأة؟ من قال أن حاجتها لعلاقة جانبية لا توازي حاجته بل تفوقها؟ أنا لا أتحدث انتصارا لحقوق المرأة، بل من باب المساواة بين هذين المخلوقين البشرين".

أيضا هناك سخرية مرة من الذين ينجبون أطفالا وهم في عمر زمني متقدم:" كلما فكرت في انجاب طفل دخلت في عملية حسابية معقدة للفارق بين الأجيال. تخيلت نفسها امرأة في الستين تجلس وسط سيدات في العقد الثالث لحضور حفل تخرج ابنها او ابنتها. يرعبها المشهد، يكاد يخنقها اذ تتخيل الاحراج الذي سيواجهه ولدها حين يسأله زملاؤه: لماذا حضرت جدتك حفل التخرج بدلا من أمك؟".

سهام ساخرة تنال من الوجود بكثير من مظاهره الثابتة والمتحولة وأيضا المشوهة:" تلعن النساء اللواتي بهدلن عمليات التجميل وجعلن كل من يقدم عليها أضحوكة"!

رواية جنى نصر الله الصادرة عن "رياض الريس للكتب والنشر" هي دعوة الى تلك المتاهة اللذيذة من هذه الأبواب الثلاثة بشكل أساسي ومسارب أخرى. وهي، رغم هاجس الزمن الذي يثقل حروفها، تبقى أيضا نصا مفتوحا للحياة، يعكس همهماتها وهمساتها التي لا يمكن الا لقلم بخبرة نصر الله أن يلتقطها، فهي، كما بطلة الكتاب "لا تغلق أذنيها كما يفعل الآخرون بل تتركهما مشرعتين لالتقاط أصوات الحياة"!

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات