التقيته قبل صيف من وفاته.. في مدينة موسكو التي أكلت من عمره ثلاثين عاماً كان متبطناً بثياب تدثَّر ما تبقى لهذا الجسد من عمر ومن غربة... كان غاطساً في كرسيه في ردهة فندق راسيا الكبير.. حين أبصرته لم أصدق أن البعد عن الوطن قد ينهش عظم الرجل حدّ البكاء. تعانقنا كصديقين شرقيين محاربين.

أخبرته أنه قبل ثماني سنوات وبالصدفة المبيتة – كما التقينا الآن – صافحته يداي في أحد أزقة صنعاء المتربة وعند بائع هو شبيه بتجار رحلة الشتاء والصيف... يخزن كل شيء... اختطفت منه كل الشيء كان «مولود آخر» كتاب متهالك قرئ قبلي سبعين مرة، لكنني فرحت به..

 وكنت القارئ الأول بعد السبعين. بدأت من تلك اللحظة أبحث عن هذا الغائب المغيب، بدءاً من اليمين مروراً بكل العواصم التي تشرفت به والمدن التي أقسمته، بدءاً من حصيد الرحى، مولود آخر، المخاض، القربان، خمسة أصوات، آلام السيد معروف، ظلال على النافذة، النخلة والجيران والمترجى والمؤجل.. عانقني ثانية..

 وبدا كطائر مهاجر مسن، يستضرخ طمي النهر وريح النخل والوطن المقبرة.. أخرى من حرّ جوفه تاريخ مدن وبشر وعوالم أشبه بالأساطير.. تاريخ تغرب قهري طويل.. امتد الحديث.. امتد الشجن ولم يستكمل وموسكو لا تكف..

اصطحبني إلى مكتباتها وشوارعها الخلفية وافترقنا علنا بلقاء جديد فيها، كانت وجهته السويد ووجهتي لينينجراد واللقاء ثانية في المدينة الكبيرة التي حاولت أن تنسيه سليمة خاتون وخبزها.. طولة حاج أحمد آغا والعربنجي.. هلاهل، عمران وتفاصيل بغدادية. كان ينشج في ليل موسكو الوحشي:
«الغربة غول تلتهم حتى ذكرياتك الصميمية.. الغربة جسدياً هي أشبه ببتر أو تخريب أعز حاسة فيك.. الذاكرة»..

التقينا.. وافترقنا وأنا أشفق على هذا الجسد مزيداً من الغربة.. لا أعرف لماذا بكيته، وبكيت العراق حين أعطاني ظهره؟ ما أقسى أن ترى تهدل كتفي عجوز شارف!! هما اختصار لكل هذه المحن.. تصلبت عيناي على منكبيه همّ أن ينصرف – أي زمن وأي ثقل – فيما شوارع موسكو الأخطبوطية بدأت تمد أذرعها إليه تسحبه نحو جوفها المحنط طاوية آخر ما تبقى من ريش في جناح الطائر المهاجر المسن.. لقد بكيته والآن أكثر كصديق شرقي محارب..

* القصة منشورة ضمن مجموعة للكاتب بعنوان (خطوة للحياة.. خطوتان للموت) صدرت عام 1995م