يدرك الزائر لحظة دخوله المعرض الجماعي «المدنية في مواجهة المدينة»، الذي افتتح أول من أمس في غاليري «مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون» بمول الإمارات في دبي، أنه أمام تجربة فنية مميزة بمواضيعها، والمستوى الفني المتقدم لمعظم الأعمال، التي تدفعه إلى التوقف أمامها طويلاً، إعجاباً بجماليات المشهد وتقنيات الفنان، وتشبعاً بروح العمل وسحر الألوان.
ولم يكن الزائر بهذا القدر من التفاؤل، حينما قرأ بادئ الأمر عن ثيمة المعرض المتمثلة في انعكاسات تجربة ثلاث مدن آسيوية، هي دبي وسنغافورة ونيودلهي، التي حققت معادلة التميز في زمن قياسي، على إيقاع حياة الإنسان فيها. وترجمة الفنانين لتلك الانعكاسات، بعيداً عن الصورة النمطية الخارجية لأفق تلك المدن.
مكنونات الفنانين
يتجلى في أعمال المعرض الذي يستمر حتى 10 أكتوبر المقبل، قدرة القيّمة السنغافورية، مكتاه أهواليا بدي، ودورها في إخراج طاقات ومكنونات الفنانين، البالغ عددهم 17، بواقع مشاركة 12 من سنغافورة وثلاثة من دبي واثنين من الهند، والذين قدم معظمهم أعمالاً نوعية، لا تتطلب وسيطاً لفهمها أو التفاعل معها وتقدير جمالياتها.
سحر الإبداع في الأفكار المطروحة، سواء في اللوحة أو العمل التركيبي أو فيلم الفيديو، تجلى في قيمة جمالية عالية الفنانين السنغافوريين الشباب، الذين استخدم كل منهم مهارة ملكاته الفنية، ليجد أن القاسم المشترك بين أعمالهم، تتمثل في نداء إنساني لحماية إنسانية المدينة. وما يعزز من قيمة أعمالهم الجانب الفني، يعود إليه الزائر أكثر من مرة ليغني بصره وبصيرته.
مهدد بالانقراض
والعمل الأول الذي يتوقف أمامه الزائر طويلاً، ثلاثية لوحات لوسي ديفيس الضخمة، والمرسومة على الورق، والتي تناولت فيها مراحل تقطيع واستهلاك الخشب حتى مرحلة باتت تهدد بانقراضه، وجمعت في أسلوبها بين الواقعية والرمزية وفن الكولاج، لتضم كل لوحة كرسياً خشبياً صنع منها، والذي انقرضت صناعته بدورها.
ألوان معدنية
العمل الثاني، الذي يعكس فرادة أسلوب الفنان وبراعته في معالجة التكوين والألوان، يقدمه سايام بارث ياداف، الذي صور فيه عدد من الثيران المهددة بامتداد زحف الآليات والأبنية. وتكمن خصوصية لوحته في معالجته لألوان أكريليك، بأسلوب طغى عليها إحساس المعدن، رغم شفافيتها كألوان المائي، ليهمن دخان المصانع الرمادي على سماء طبيعته.
أما فنانة الخزف، تيو هيوي، فتناولت في عملها التركيبي فكرة تحول المدينة السريع وغياب معالمها القديمة، حيث شكلت مجسمات فنية صغيرة من تلك المعالم والمعدات التي كانوا يسخدمونها من قبل، ليحتفظ بها الناس كجزء من حياتهم وذاكرة مدينتهم.
ويعود الزائر إلى التشكيل مع اللوحتين المرسومتين بألوان الحبر الصيني على ورق الرز، الذي يصور في كل منهما ببراعة الفنان الممكن من أدواته، مشهداً بانورامياً في الأول لمدينة دبي، والثاني لسنغافورة، ويشاهد في الأولى رحابة المساحات الفاصلة في بنية دبي، بعكس ازدحام واختناق المشهد العمراني بالجسور في سنغافورة.
مشاركة إماراتية
ويشارك الفنانون الإماراتيون بأعمال في وسائط الفنون الحديثة، مثل عبد الله السعدي، الذي سبق وعرض فيلمه الفيديو المعني برحلته مشياً على الأقدام في بينالي الشارقة، ومحمد أحمد إبراهيم بعمل تركيبي لتلة من الحجارة البيضاء البحرية والسوداء المقيدة بالمعدن، ومحمد كاظم بفيلم فيديو عن خطى الإنسان.


