محاور بحث فكرية وسياسية عديدة، تضمنتها محاضرة ندوة الثقافة والعلوم في دبي، سنة 1993، المعنونة: «الدولة والثقافة وجهة نظر من خلال التجربة».

إذ تحدث فيها الدكتور ثروت عكاشة (1921-2012)، وزير الثقافة المصري آنذاك، فاستهلها معرفاً بالحقوق الثقافية للإنسان، والتي لم تتوافر إلا مع منتصف القرن الـ20، كما قال، حيث كان الإنسان أسرع إلى الظفر بحقوقه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه تخلف خطوة لاستكمال حقوقه الثقافية، ذلك إلى أن أصبحت ركناً رابعاً من أركان الحياة، حيث نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1946 على «أن للإنسان الحق في أن يشترك، دون قيد أو شروط، في الحياة الثقافية للمجتمع، وأن يستمتع بالفنون، وأن يكون له نصيب في التقدم العلمي وما يؤتيه من ثمار».

مهمة حكومية

أكد الدكتور ثروت عكاشة، عقب تمهيده، أن إنعاش الحياة الثقافية والفنية في الأمم الناهضة، أصبح جزءاً لا يتجزأ من واجبات الدولة، وعلى الدولة أن تجعل الثقافة منهلاً للجميع بوضع مواردها وقدراتها في خدمة انطلاقات الإبداع.

وأشار إلى أن مهمة الدولة عن طريق جهاز ثقافتها لا تقتصر على إصدار الكتب وتقديم مسرحيات وأفلام فقط، بل تمتد إلى إعداد مناخ وتربة تنبت براعم لتغدو في ما بعد، أزهاراً ينميها ويوجدها مبدعو الكتب والأفلام والمسرحيات والمنحوتات واللوحات المصورة.

شرط

وأضاف عكاشة: الفن الأصيل – كما يذهب كامل الشناوي – شجاع وعنيد.لأنه يستطيع وحده أن يقتحم الخلود ويتحدى الزمن، والفن الزائف يمكن أن ينتفض ويزدهر يوماً أو عاماً، ولكنه لا يلبث أن يهمد ويذوي. وتحول المحاضر، عقبها، إلى الحديث عن الماهية الحق والأفعل للسياسة الثقافية، مؤكداً أنها في جوهرها ليست محاولة من الدولة لصنع ثقافة حكومية، وإنما لتشجيع ازدهار القيم والتطلعات الثقافية بأنواعها، وذلك حتى تفرغ هذه الدولة لنشاطها في الميادين الأخرى.

ولفت ثروت عكاشة إلى أنه إذا كانت الإنجازات الثقافية لا تنشأ من فراغ، فلا يمكن انبثاق أية سياسة ثقافية من أفكار عشوائية أو نزوات فردية عابرة، إذ لا بد من أن يكون منبعها مبادئ راسخة تحدد مسارها وترعاها وتحدد أهدافها، مرحلياً واستراتيجياً.

ونبه عكاشة إلى أن الحديث عن الثقافة اليوم، تجاوز ذلك السؤال التقليدي عن طبيعتها، إلى أمر آخر يرتبط بخطط العمل الثقافي أو بإطاره العام، وذلك بعد أن وجد الباحثون والمثقفون أن الوصول إلى تعريف محدد للثقافة ليس أمراً سهلاً أو يسيراً أو متفقاً عليه تماماً، وهكذا فإنهم خاضوا غمار الثقافة بأسلوب أكثر كياسة وذكاء من خلال موشور "السياسة الثقافية".