تأخذنا سياحة الثقافة في هذا التقرير إلى البلدة الصغيرة التي ولدت فيها شخصية «دراكولا»، أو مصاص الدماء، وهي على عكس المتعارف عليه، ليست «ترانسلفانيا» الاسم القديم لرومانيا، بل قرية ويتبي الساحلية الواقعة شمالي يوركشاير ببريطانيا. ومن يعبر أزقة تلك البلدة السياحية الضيقة الحافلة بمحال الهدايا والتذكارات والمطاعم التي تنبعث منها رائحة الوجبة الإنجليزية الشهيرة، السمك المقلي مع البطاطا، ويسير على طول الشاطئ الذي تنتشر فيه الأكواخ التي تجمع المصطافون الذين يمتلكون الجرأة للسباحة في بحر الشمال. وبعد تجاوز المزيد من المحال، يقابل الزائر درج يتطلب نزوله 199 خطوة توصله إلى جرف، يطل من خلاله على مشهد يزرع الرهبة في النفس.
رهبة الأطلال
وتأتي تلك الرهبة من أطلال الآثار العمرانية الموحشة على قمة التلة المقابلة لدير يعود تاريخ بناؤه إلى القرن الثالث عشر، والذي يحيط به حلقة من الأضرحة والقبور، ما يوحي بأجواء قصص الغموض والرعب الغوطية، التي غالباً ما تدور أحداثها في سراديب القصور والأديرة وممراتها السرية.
وعليه، يقف الزائر أمام ذلك المشهد بسكون، ليستعيد في مخيلته لحظات ولادة شخصية «دراكولا»، في ذهن مبتكرها الروائي الإيرلندي برام ستوكر «1847-1912»، الذي أمضى عام 1890، شهراً في تلك البلدة التي كتب خلالها روايته تلك، حققت له شهرة عالمية. وتحتفل بلدة ويتبي، التي بلغ عدد سكانها قبل أربعة سنوات 13,213 نسمة، هذا العام، بذكرى مرور 125 عاماً على زيارة ستوكر لها، الذي جعل من أزقتها مقراً للعديد من أحداث وحوارات الرواية. ولا تزال ويتبي حتى اليوم تحتفظ بذلك المشهد البري للطبيعة، وهيكل المعبد وغيره من الآثار التي تجمع بين الرومانسية والغموض.
المخيلة والواقع
ولا يغيب عن ذهن الزائر، المبالغات التي يعتمدها أهل القرية لاجتذاب السائحين لمتاجرهم أو بيوتهم، من خلال اختلاق أحداث تربط بين زيارة ستوكر ووجوده في المكان الذي يحددونه، الذي يؤكد الخبراء بسيرة ستوكر زيفها وبطلانها. مثل الهضبة التي ثبُت بجانبها لوحة مكتوب فيها «تلك هي الإطلالة التي أوحت لبرام ستوكر بأحداث رواية دراكولا». ويعلق ديفيد بيبوس المدير الفخري لمتحف ويتبي، حول هذه المبالغات قائلاً، «الكثير مما تراه مجرد أكاذيب، مثل ادعائهم بشأن تلك الإطلالة التي لم يكن يُتاح لأي كان في زمن ستوكر الوصول إليها. نحن نستند في مصادر بحثنا على رسائل ستوكر ووثائقه الأخرى التي تقدم تصوراً أكثر دقة عن زيارة الكاتب».
بداية الإلهام
وكان ستوكر قد أخذ إجازة لنفسه من عمله في لندن، كمدير أعمال للممثل الشهير سير هنري أيرفينغ «1838-1905»، والمدير المالي لمسرح ليسوم، ليمضي الأسبوع الأول بمفرده في ويتبي، مستمتعاً بتحرره من ضغوطات العمل ومتطلبات أيرفينغ.
بالطبع، كان ستوكر قبلها على دراية بصورة شخصية مصاص الدماء منذ طفولته من خلال الفولكلور الإيرلندي، ودراساته في جامعة ترينيتي بدبلن. ويعتقد بعض الأكاديميون أن الممثل البارع إيرفينغ، هو من ألهم ستوكر بشأن فكرة مص الدماء، وتميز الكونت دراكولا بجنون العظمة.
سيرة دراكولا
تعتبر «دراكولا» 1897 روايته الخامسة، من أصل 12 عملاً، تصب جميعها في أدب الرعب. وتبدأ القصة بمحاولة انتقال الكونت دراكولا من ترانسلفانيا إلى إنجلترا، باحثاً عن دماء جديدة، مع رغبة بزيادة نسل مصاصي الدماء. لكن يتصدى له فريق، بقيادة البروفيسور هيلسينغ. أما الكونت دراكولا، فهو شخصية أرستقراطية، ويزيد عمره على 400 عام.
