أن يبقى شاعر مرهف الإحساس متشبثاً بالحياة قرابة قرن من هذا الزمان الصعب، يتقلب بين عهود الملكية الإقطاعية والثورية الاشتراكية الطموحة مروراً بالهزيمة القومية الموجعة ثم الحرب الأكتوبرية والنصر المؤزر الذي يعقبه الانفتاح الرأسمالي ونور الشعر معه والأمل والحزن والتطبيع مع العدو وحتى زمان الثورة الشعبية وما بعد ميدان التحرير، كل هذا بفؤاد واحد يجتاز الليالي بأقمارها وأنوائها، ولطالما يهتز للوردة تلو الوردة ولفتات الغزال وما تنال منه قط كل تلك النوائب الجسام فإننا حينئذ أمام بطولة الحياة يجسدها الشاعر حسن فتح الباب الذي نعته ابنته الكاتبة والإعلامية منار فتح الباب أمس عبر حسابها الخاص بموقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» قائلة: «مع السلامة يا بابا.. رحلت مع القمر الذي تغنيت به طويلاً في ليلة الخسوف. حاتوحشني قوي. الدنيا مظلمة لا طعم لها الآن من بعدك أنت وماما».
وبجانب اتحاد الكتاب المصريين نعته مؤسسة «مفدى زكريا» الجزائرية ووصفت في بيانها فتح الباب بـ «صديق الثورة الجزائرية» الذي عاش في الجزائر ودرّس بوهران مدة طويلة وكتب عن الجزائر وعن ثورتها التي كانت حاضرة في أدبياته وأشعاره. حيث قام بجمع أغلب القصائد الشعرية لشعراء مصريين حول الثورة الجزائرية المجيدة، وأصدر بالتعاون مع الدار المصرية اللبنانية كتاب «ثورة الجزائر في إبداع شعراء مصر». حسن فتح الباب تفتقده مصر والعالم العربي بوصفه أحد مجددي القصيدة العربية منذ فترة تحولها التكنيكي والتيماتيكي في أربعينات القرن المنصرم على أيدي السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وجاء هو في الركب بداية الخمسينات، معاصراً كل أولئك الرواد وبقي بعدهم شاهداً مخضرماً يبدع للعصور جيلًا فجيلًا.
ولد الفقيد في نوفمبر 1923 بالقاهرة وحصل على ليسانس الحقوق عام 1947 م ووصل إلى رتبة لواء شرطة في مصر ثم تحول إلى أستاذ جامعي للقانون في الجزائر.
أصدر مجموعته الشعرية الأولى (من وحي بور سعيد) 1957 وبعدها (فارس الأمل) 1965 و(أحداق الجياد) 1990
ومن مؤلفاته النقدية (رؤية جديدة في شعرنا القديم) 1984 و(شعر الشباب في الجزائر بين الواقع والآفاق) 1985 و(سمات الحداثة في الشعر العربي) 1997
حصل على جائزة المجلس الأعلى للآداب والفنون مع وزارة الثقافة عام 1975 وجائزة مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري في 1992.
ومن قصيدته (أحداق الجياد) نقتطف:
يا جيادي استيقظي
وتدق الساعة الصماء في البرج.. أقبلت ريح بواديك رخاء .. وتنصبُّ شآبيب المطر
من ينابيع الأعالي الباردة
تختفي ريح الصبا
يشرئب العُنُق الضامر في وجه السماء
يا جيادي فاتك الركب ولكن الفصول
يولد المستضعفون
وقفت بين الجباه السود..
غير أن الأعين الجوفاء والقلب الخواء
..والليل ارتمى بين الحوافر
لا ترى النبع ولا الريح الرخاء
وأتى الصيف فكانت شمسه جرحاً..
ويظل النِّطع ينداح.. وتستعلي الحصون
.. وكان الناي أحزان مسافر
