«تعايش في مدينة دورا أوربوس الواقعة في بادية الشام بسوريا في القرن الثالث ميلادي، أقوام من مختلف حضارات العالم، الذين جمع بينهم السلام، وبالتالي ازدهار نهضة فنية لا تزال آثار جدارياتها التي رسمها فنانون بارعون، شاهدة على عمران تلك المعابد سواء المسيحية أو اليهودية أو الديانات القديمة الأخرى»، قال التشكيلي المخضرم إلياس الزيات أحد رواد حركة فن الحداثة في سوريا خلال أمسية الحوار، التي نظمتها غاليري «غرين آرت» بمقرها في مجمع السركال بمنطقة القوز، للتحدث حول نتاج معرضه الحالي «ما بعد الطوفان»، التي حاوره فيها الناقدة الفنية سلوى المقدادي، بحضور عدد كبير من عشاق الفن.

مراحل

انتقل الزيات، الذي يعتبر ممن أسهموا في تأسيس ونهضة الفن المعاصر في سوريا في مرحلة الستينيات، إلى الحديث عن المراحل التي سبقت نتاج أعماله في «ما بعد الطوفان» التي يعود فيها إلى تاريخ وأساطير الحضارات القديمة، التي تعاقبت على المدينة الأثرية تدمر ويقول: سأتحدث عن محورين لفهم أبعاد مضمون لوحاتي في هذا المعرض. يرتبط الأول بمسيرتي الفني التي بدأت في الخمسينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، أما المحور الثاني فانطلاقاً من لوحتي «الطوفان» التي عرضت في معرض «آرت دبي»، التي تطلب مني إنجازها عامين وهي بارتفاع ثلاثة أمتار ونصف المتر.

رجاء السلام

وبعدما تنهد بعمق وسادت لحظات صمت عميق تابع الزيات قائلاً: كلنا نعرف ملحمة الطوفان التي وردت في كتب الأديان السماوية والحضارات القديمة. وإذا اعتبرنا «الطوفان» رمزاً لإعادة تنظيم الكون وبنائه بصورة مشرفة ليسود العدل، وتُطرد الشرور، فإن لوحتي الثلاثية الجديدة في هذا المعرض التي استغرق إنجازها عامين إلى جانب اللوحات الأخرى التي تعتبر بمثابة دراسات وأبحاث تدور في فلكها، تعبر عن رجاء السلام وتوسله.

رموز

وانتقل إلى الحديث عن رموز الثلاثية قائلاً: كلنا يعرف رسول السلام طائر الحمام، وغصن الزيتون. ويبدو طائر السلام في لوحتي في دوران عاصف لا يمكنهما من الوصول إلى بر السلام وتحقيق الخلاص للسفينة. واستلهمت شخوص لوحتي من تاريخ حضارة تدمر، التي كانت وافرة المياه وحافلة بالسدود، منذ القرن الأول ميلادي وحتى الثالث. وفي اللوحتين الجانبيتين تبدو الشخصيتان وكأنهما تحاولان الطيران بعكس الجاذبية هرباً من الفوضى الإنسانية واللامعقول.

ما قبل وبعد

وتحدث الزيات بعدها عن ترجمة الفكرة إلى عمل فني قائلاً: سبق لوحتي الثلاثية دراسات ورسومات على مدار عامين وبعضها بمثابة لوحة متكاملة في المعرض، ما أطرحه في عملي فن ملتزم يعالج فكرة إنسان فيها الحذر مما يخبئه المستقبل، والمتمثل في حركة دوران الطائرين.

موهبة الألوان

ويقول رداً على سؤال الدكتورة سلوى حول القصد من هيمنة اللون البرتقالي على الثلاثية وعلاقته بالألوان: يرمز البرتقالي المشوب بلون التراب إلى الشمس والحياة. ويمكن القول إن علاقة الفنان بالألوان موهبة أخرى من الله مثل الذي يجيد الغناء ولا يملك صوتاً بديعاً. ومن جهة أخرى معالجة الألوان تتطلب خبرة في الكيمياء والفيزياء، وأنا تعلمت الكثير عنها خلال دراستي تخصص الترميم في بلغاريا.

سيرة الزيات

ولد إلياس الزيات في دمشق عام 1935، ودرس على يد الفنان السوري ميشيل كرشة من عام 1952 إلى عام 1955، وتخرج عام 1960 في أكاديمية صوفيا للفنون الجميلة، وتابع دراساته العليا عام 1961 في مصر، وفي 1973 – 1974 تخصص في ترميم الفنون في هنغاريا، وفي عام 1980 حصل على مرتبة أستاذ في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق بعد تدريسه مدة عشرين عاماً.