«في الصحافة تجري وراء الخبر، ولكن في الأدب أنت تجرجر الخبر وراءك وتعلمه الأدب، وأن يرتدي زياً آخر، وأن يقف على حيله عالياً ولو لم يره أحد.. ومن هؤلاء الكتاب محمد عيسى الشرقاوي فهو يكتب في الفلسفة والأدب والسياسة والتاريخ، وعن شخصيات لا يعرفها القارئ، ولكنه لا يهتم بذلك، إنه يريد أن يكتب ما يعجبه أو ما يجده هو مناسباً لمزاجه»، هذا ما جاء في مقدمة أنيس منصور لكتاب «صرخة وطن» للمؤلف المصري محمد عيسى الشرقاوي.

ثورة الشباب

يتحدث المؤلف في فصل «زمن الحرية واليوم التالي للثورة» عن كاتب أوروبي لم يبرح مقعده أمام شاشة التلفزيون منذ بدء ثورة الشباب في مصر يوم 25 يناير، وحتى إسقاط رأس النظام، يقول: كنت وقت الثورة في باريس، غير أن روحي كانت في ميدان التحرير بقلب القاهرة.

ويبدو أن الروائي عانى كثيراً من الأجواء الكابوسية للفرعون، ذلك أن كهنة النظام الشمولي في بلغاريا حنطوا جثمان ديمتروف إثر وفاته وعرضوا المومياء في أكبر متحف بالبلاد، ولذلك يقول: كأننا كنا نعيش في الزمن القديم والغابر للأسر المصرية.

ذلك أن هيكل النظام الشمولي والشيوعي ظل متماسكاً طوال سنوات على حد شهادة الكاتب البلغاري، صحيح أن سطوته تقلصت، لكن بقايا النظام وفلوله ظلت كامنة، وكانت تطل بأقنعة مراوغة ومخادعة، وتحت مسميات وشعارات جديدة كان الطاغية ستالين وحليفه ديمتروف وتابعهما جيفكوف يتخفون وراء أكمة الطرقات.

ولست أدري ما إذا كان الروائي لا يزال يتابع أحداث ووقائع اليوم التالي؟ أم أنه يتأهب لإصدار روايته الجديدة وعنوانها طفل عبقري؟.

الكابوس

وفي فصل آخر بعنوان «الوجه الكئيب وثورة ميدان التحرير» يتناول الشرقاوي ردة أفعال البعض أثناء الثورة فأشار في كتابه، إلى أن غورباتشوف كان يرقب باهتمام ثورة 25 يناير التي أسقطت رأس النظام السلطوي الذي تسلط بالقهر والعسف على البلاد، وأهان العباد ورغم هذا الكابوس الذي كان يجثم على مصر طوال ثلاثة عقود بائسة، خرج الشباب ومعهم الشعب بأسره وصنعوا أروع ثورة شهدتها مصر منذ تاريخها القديم وحتى تاريخها الحديث.

نعم.. إن المصريين يكتبون الآن بدم الشهداء صفحات التاريخ الجديد لتجليات الحرية وإشراقات العدل الاجتماعي، إن حرفتهم المقدسة هي صنع الحضارة، ورسالتهم الخالدة هي الديمقراطية وتكافؤ الفرص للجميع، وثورة ميدان التحرير وميادين المدن الصغرى والكبرى تؤكد أن المسيرة المصرية الظافرة قد بدأت.. ولم يعد ثمة مكان للوجه الكئيب وعصابة الفاسدين.