أن تقرأ رواية وتغوص في عوالمها، فهذه متعة في حد ذاتها، وأن تبحث عن اللآلئ الموجودة فيها، وتنتقي جمالياتها من مفردات وعناصر ووحدات تكمل الشكل الإبداعي لها، فهذا ما يزيد ارتباطك بالرواية ويعمق إحساسك وتفاعلك معها، وهذا ما عززته ندوة «جمالية التقابل والتكرار» التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، مساء أول من أمس، في قاعة أحمد راشد ثاني، وتحدث فيها الشاعر والناقد علي العبدان، ضمن فعاليات منتدى السرد، وأدارها الكاتب محسن سليمان.

وحدة

تناول العبدان التقابل والتكرار كعنصرين يخلقان وهج الفن السردي، ويزيدان ألق الصراع ويعززان الحبكة بكل تفاصيلها؛ فالتقابل تنشأ عنه حالة جمالية، ويكون مؤثراً إذا كان ضدياً، وأشد تأثيراً إذا كان تناقضياً.

وتحدث عن التكرار، لافتاً إلى أنه التقابل ذاته مُعاداً، فلا يعقل تكرار دون تقابل بين أمرين، فتكرار الصوت يقتضي تقابلاً بين الصوت والصمت، وتكرار الإضاءة يقتضي تقابلاً بين الإضاءة والظلام.

وأشار العبدان إلى أن التقابل والتكرار ظاهرة كونية، فالوجود يقابل العدم، والنور يقابل الظلام، والحق يقابل الباطل وهكذا، وكلاهما يتعلق بموضوعات عميقة في الحياة والوجود، ولذا يشكل كل منهما وحدة جمالية في مختلف الفنون الإنسانية، كالسرد والشعر والفنون البصرية والموسيقى والمسرح.. وغيرها.

أمثلة

استعان العبدان ببعض الأمثلة التي سلطت الضوء على جماليات التقابل والتكرار في فن السرد، لافتاً إلى بروز جمالية التقابل بشكل واضح في الروايات الكلاسيكية والواقعية، كروايات تشارلز ديكنز ومنها رواية «أوليفر تويست»، إضافة إلى رواية «القاهرة الجديدة» لنجيب محفوظ، و«العجوز والبحر» لإرنست همنغواي، و«النهايات» لعبدالرحمن المنيف.

مقارنة

أثارت الندوة تساؤلات عدة لدى الحضور، وظهر من خلالها فضول الروائيين للتعرف إلى جماليات الرواية بشكل خاص، وتساءلوا عن أهمية التقابل والتكرار في الروايات، وهل من الممكن أن يخلو بعضها منها؟ وهل هي مقصودة أم تنهال مع الأحداث بعفوية؟ كما تساءل أحدهم عن التقابل وحتمية وجوده بسبب ارتباطه الوثيق بالصراع، إذ لولا الصراع لما كان هناك وجود للتقابل، كما تطرق بعض الحضور الى الحديث عن التكرار، لافتين إلى بعده عن روح الدراما والفنون، لاسيما وأن التكرار يجعل النص يراوح مكانه، فيما الدراما تتوق للإبداع والنمو.

تشويق

إجابات العبدان عن التساؤلات السابقة، أبرزت أهمية الوحدات الجمالية، إذ أكد أن أهمية هذه الجماليات تكمن في زيادة جرعات التشويق، موضحاً أنه بدونها يسير الكاتب كالمذهول بلا خطوط سير واضحة، ولافتاً إلى أن التشويق ينشأ من الصراع، ومؤكداً أن هناك وحدات جمالية كثيرة تنطوي تحت رداء التقابل والتكرار، وأن الكاتب لا يتعمد إقحامها في النص، إنما تقحم هي نفسها في ظل وجود الصراع.

وذكر العبدان أن أهمية هذه الوحدات مستقاة من مدى التأثير الذي تحدثه في الرواية، مشيراً إلى أن التكرار ليس ضرورة بقدر ما هو تقنية أنيقة تجذب القراء وتحرك أذهانهم وتزيد تفاعلهم مع الرواية وأحداثها.

هوية

استفزت ندوة «جماليات التقابل والتكرار» الحضور، وتنوعت الآراء حولها، إذ رأى البعض أن هذه الندوة تمس القصة التقليدية، التي عاشت سنوات طويلة في دائرة الصراع بين الخير والشر، أما في عصر ما بعد الحداثة فتغيرت الأمور.. لتظهر هوية جديدة للرواية بملامح تشبه العصر الحالي.