ليلةٌ أشرقت فيها شمس العراق، وتألقت فيها بغداد كعروسٍ في أبهى حلة، يغازلها ذلك العراقي الكريم، منتقياً من بحور الشعر لآلئ ثمينة، صنع منها عقداً لامعاً أهداه إلى وطنه، وعزف شعراً على أوتار عشقه ووجعه وألمه وغربته، فملأ الكون سحراً وعذوبة يتغنيا ببغداد.
أمسية شعرية من طراز فريد، أحياها الشاعر كريم العراقي، مساء أول من أمس، في قاعة أحمد راشد ثاني في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالشارقة، التي امتلأت على آخرها بالحضور، ليدفع النصف الآخر ضريبة حضور الأمسية وقوفاً على الأقدام، مطالبين الشاعر - رغم ذلك -، بتمديد وقت الأمسية، وقراءة المزيد من الأشعار.

الفكرة أولاً
تحدث كريم العراقي عن شعره، مؤكداً أن المعنى لديه هو الأهم، فالفكرة تأتي أولاً، لتعقبها اللغة والأوزان وغيرها، لافتاً إلى أن تحويل الشعر إلى أغنية استدعى تغيير بعض المفردات، ومؤكداً أنه دفع ثمن هذه التغيرات غالياً.
وانهمر العراقي شعراً، عقبها، مطلقاً العنان لذاكرته التي لم تخنه، فانطلق منساباً بأشعاره، ومنها : « كثر الحديث» و«محاكمة» و«يا مستبدة».. وغيرها.

شاعر غنائي

أدار الأمسية الشاعر نصر بدوان. وتحدث فيها الناقد يونس ناصر عن تجربة كريم العراقي، لافتاً إلى أنه شاعر غنائي بامتياز نحتته المعاناة، وسكن الإبداع روحه فأضاء شعراً، وأطلق عصافيره لتحط على أشجارنا وشبابيكنا وهي تشدو بلغة أنيسة قريبة من القلب، وتدخله من دون استئذان.

وناقش ناصر تجربة العراقي في محاكمة شعرية تناولت الجوانب الفنية واللغوية والمضامين، لينتصر فيها العراقي بامتياز مع مرتبة الشرف، إذ لفت يونس ناصر إلى أن تجربة كريم العراقي الفنية، تتوزع على ثلاثة محاور أولها الشعر الغنائي، باعتباره لوناً من ألوان الشعر العربي. وثانيها الغنائية باعتبارها مصطلحاً يندرج تحته الشعر الذي ينطلق من مشاعر ذاتية عاطفية. إذ إنه كتب في هذه الأغراض غالبية قصائده ذاك طوال مسيرته الشعرية الطويلة.. وفي ثالثها: القصيدة الشعرية المغناة بشكليها الكلاسيكي والتفعيلة.

شفافية
تطرق ناصر إلى لغة الشاعر مشيراً إلى أنها بسيطة وشفافة، يبتعد فيها العراقي عن المفردة القاموسية، ليستلهم مفرداته من الحياة اليومية بكل أشكالها وتقلباتها. ومن ثم يبني قصيدته بأسلوب حكائي يعتمد المفاجأة والإدهاش لتشكل مجموعة متلاحقة من الصور، كل صورة فيها أكثر إدهاشاً من سابقتها.

وعن مضامين قصائد الشاعر، ذكر يونس أن كريم العراقي يستقي ألوان تجربته من معين الطفولة، زماناً ومكاناً وحلماً وأملاً، إذ كتب من بغداد وعن بغداد، ومن سحر( ألف ليلة وليلة)، ومن قصر شهرزاد، ومنطقة الشاكرية في بغداد حيث ولد مكاناً.. والتي أفرد لها الشاعر قصيدة حملت الاسم نفسه، بعدما تلاشت ولم يبق منها غير اسمها، ليضع الشاعر يده، حسب توصيف ناصر، على أكتافنا ويقودنا نحو قلقه وألمه ومعاناته وأوجاعه.

وذكر ناصر أن العراقي يتماهى مع العراق في علاقة جدلية يتبادلان فيها المواقع، بحيث تتطابق الذات والموضوع حد الانصهار، فكل الأحداث الدامية التي مرت بالعراق تركت آثارها على جسد الشاعر. وكل طعنة في جسد العراق إنما هي طعنة في روح الشاعر، ورغم كل ذلك، هو يبقى متماسكاً متصالحاً مع نفسه، وشعبه وقيمه.


كبرياء
أوضح يونس أن كريم العراقي، شاعر ذو كبرياء ينهض بمسؤوليته كشاعر ومواطن وإنسان تعرض بلده للاحتلال وشعبه للقتل والتشريد والتهجير، ليدافع بكل قوة الشعر وطاقة الحياة فيه عن إنسانيته الباذخة، مُديناً الحرب ومُحتفياً بالطفولة، كما عاشها وشرب عذوبتها في الشاكرية في بغداد.

مفردات وقواميس
أشار العراقي في حديثه بالأمسية، إلى أنه كان ينتقي مفرداته من الحياة اليومية، وليس من القواميس الجامدة، ما يجعل أشعاره أقرب إلى المتلقي، إلا أن البعض كان ينتقد ذلك، كما حدث في «قصة حبيبين» التي يقول فيها «وذلك العطر هل لازال يغمرها أم غيرته؟..نعم زعلانة مني».. وهنا كان من الممكن أن يستخدم لفظ «مستاءة» بدلاً من «زعلانة»، إلا أن بعض الكلمات تصل أسرع من غيرها إلى الجمهور، كما ذكر.