ها هم يحملون حقائبهم استعداداً للرحيل، بعد أن أضناهم الألم، وأثقل كواهلهم الحزن. ترتسم على وجوههم ملامح الخيبة، وتعتصر قلوبهم الحسرة، وتنتاب نفوسهم غصةٌ أحرقتهم في لحظة يأس، فعقدوا العزم على الرحيل رافعين شعار «سنهجر المسرح».

ليس هذا مشهداً تمثيلياً، إنما هو واقع استمد انفعالاته واختمارات القرار فيه من معاناةٍ طالت، مكانُها المسرح، وأبطالها مسرحيون أعطوا وتنازلوا عن الكثير من أجل عيون الخشبة، إلا أنها لم تبادلهم الوفاء، لتتحطم أحلامهم على عتبات المسرح أمام أعينهم، وفي وضح النهار، حسب ما يقولون.

صرخات مدوية انطلقت من أعماق عدد من الفنانين المسرحيين، رصدتها «البيان» في التحقيق التالي.

«سأهجر المسرح» بهذه العبارة بدأ المسرحي عمر الملا حديثه، مشيراً إلى أن المسرح لم ينصفه، وقال: تنازلت عن الكثير من أجل عيون المسرح، إلا أنه لم يبادلني الوفاء، وأنا الذي كنت أنام وأصحو على خشبة المسرح. وهكذا قررت اليوم تركه بعد انتهائي من العمل الذي أقوم حالياً بإخراجه.

وأشار الملا إلى أن المسرح ظلمه ولم ينصفه: ظلمني أعداء النجاح في هذا العالم الابداعي. ومشكلة المسرح الاكبر تشتته بين جيل قديم لا يقبل التغيير والتطوير، وجيل شاب يطمح إلى التجديد، بينما هناك جيل ضائع بين الجيلين، ما أدى إلى وجود فجوة كبيرة أثرت سلباً على حاله، وأثر بالتالي علي، فالكبار يرفضون طموحاتي بالتجديد، والشباب يعتبرونني منافساً ويحاربونني.

ولفت الملا إلى أنه لم يحصل على الدعم المعنوي ولا المادي. وقال: أجور العمل في المسرح ضئيلة، وكنت أتنازل - مع ذلك - عن أجري في الإخراج لأوفر للعمل متطلباته، فالميزانيات التي تمنحها المسارح للأعمال لا تشبع وتوفر احتياجاتها، ما يضطرنا - كمخرجين- للاستعانة بزملائنا وأصدقائنا الذين يقبلون العمل من دون أجر. موضحاً أنه يعمل حالياً على مسرحية يريد من خلالها أن يثبت لمن أنكروا جهوده في مسرحية «خذوا وجوهكم»، أنه قادر على تقديم عرض متميز، ليودع بعدها خشبة المسرح ويرحل بسلام.

تحديات

علاقة حب وشغف جمعت عبدالله الحريبي بالمسرح، بدأت منذ كان عمره 12 عاماً، إذ كان يتجه للمسرح رغم معاناته من صعوبة التنقل، مستعيناً، على قدر ما يسمح به ما يملكه من مال لحظتذاك، بسيارة أجرة توصله، ليكمل طريقه إلى المسرح مشياً على الأقدام، أما بعد الانتهاء من البروفات فكان يجلس أمام باب المسرح منتظراً من يشفق عليه ليوصله إلى منزله.

وكبر الحريبي، وكبرت معه أحلامه لتتحطم أخيراً على خشبة المسرح، وعن ذلك قال: لم آخذ كما أعطيت، وقضيت سنوات طويلة من عمري أحلم، ولكن شيئاً من أحلامي لم يتحقق. كنت أتطلع إلى الشهرة، ثم أكتشف أن مسرحنا لا يحقق الشهرة لفنانيه، وعن المردود المادي للعمل في هذا الحقل، قال: الأجور ضئيلة جداً، فأكبر مردود مادي حصلت عليه طوال فترة عملي في المسرح (10 سنوات)، كان 15 ألف درهم، ذلك رغم ذهابي يومياً إلى البروفات: من دبي إلى رأس الخيمة.. وبالعكس. وها هو الحريبي يبدأ خطواته نحو هجر المسرح، كما يبين، وخصوصاً بعد أن حصل على وظيفة لا يريد أن يخسرها لأجل خشبة مقصرة في حقه.

تخلٍ وفراق

توقعنا أن يكون الوضع مغايراً بالنسبة لبعض رواد المسرح المحلي، فتواصلنا مع الفنانة عائشة عبدالرحمن التي قالت: يعز علي القول انني سأهجر المسرح. فهو جزء مني، ومن الصعب علي هجره بعد أن أخذت مني الخشبة عمري كله، لكنها -رغم ذلك - لم تنصفني، ولم تُعطني شيئاً.

وأضافت: لم نحصل على مردود مادي مجزٍ، كما أنه من حقي بعد هذا العمر، أن أنتظر الشهرة الأكبر، فأنا - بحمد الله- وصلت وعُرفت في دول كثيرة، والطموح إلى المستوى الأعلى حق شرعي لكل فنان، وذكرت عائشة أنها اليوم عاتبة و«زعلانة» جداً من المسرح وغالبية من يمثلونه، وقالت: ما يحدث اليوم مؤلم، فالمسرح يعاني الشللية، وإداراته تهمش دور المرأة وهنا أقول للمسرح: «لا تنسانا، فنحن من روادك، ولا نزال حولك هنا، ويبقى لدي أمل أن أجد نصوصاً جيدة وإدارات متفهمة لنقدم الأفضل لمسرحنا».

تقدير

رفع خليفة البحري شعار «سأهجر المسرح»، بعد معاناة عميقة، لخصها: رغم عملي لخمس سنوات في المسرح، إلا أني لم أقدم سوى تسعة أعمال، والمؤلم أننا في الإمارات لدينا عدة مهرجانات سنوية، ونستضيف مهرجانات مسرحية إلا أننا لا نجد فرصاً للمشاركة. وأضاف: نحتاج إلى تقدير الممثل المسرحي الشاب، إذ اعتادت مهرجاناتنا على استضافة الفنانين في مختلف المجالات،ولكن إلى متى؟ وها أنا اليوم أبحث عن فرص متواصلة ودائمة في عالم الإبداع التلفزيوني والسينمائي.

دور

أشاد المسرحيون بجهود صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في دعم المسرح ومبدعيه، محلياً وعربياً. وأكدوا أن مبادرات سموه أثمرت الكثير على هذا الصعيد.

إلا انهم طالبوا الجهات المجتمعية والرسمية، المعنية، أن تطلق وتتبنى مبادرات ومشروعات إبداعية تكون معززة لخلق بيئة حاضنة ومحفزة، لا طاردة، على صعيد تشجيع المسرحيين واحتضانهم وتحقيق متطلباتهم. كما أشارو إلى أن الشللية في المجال، باتت مقتلاً وعائقاً خطيراً لا بد من العمل على تجاوزه بكل الوسائل.