برحيل الأديب الألماني غونتر غراس أخيراً عن عمر يناهز 87 عاماً، يتلاشى جيل الأدباء الذين عاشوا الصدمة الكبرى للقرن العشرين ودروسها القاسية. وغراس كان في الثانية عشرة من عمره عندما اجتاح مد النازية ألمانيا، وقلب المجتمع الألماني رأسا على عقب في غضون عقد من الزمن، في تحول عاصف طال مجمل نواحي الحياة في ألمانيا، جارفاً العالم بأسره معه...

والأديب يشير متأسفاً في إحدى رواياته إلى تلك السهولة المحزنة التي ارتضى بها الرجال في ألمانيا التخلي عن قبعاتهم الصفراء الزاهية الأنيقة التي كانوا يفتخرون بالتلويح لها ليعتمروا مكانها الخوذات الكاكية الرمادية.

كان في السادسة عشرة من عمره عندما جند في الجيش الألماني بعمر 16 عاماً، لكن الحرب انتهت من دون أن يطلق رصاصة واحدة مما جنبه ارتكاب جرائم حرب، لكن ذلك لم يكن بفعل جدارته، كما يقول في مقابلة مع صحيفة «غارديان» البريطانية عام 2012، مضيفا لو ولدت قبل 3 أو 4 سنوات لكنت بالتأكيد وجدت نفسي عالقا في وسطها.

صدمة أيديولوجية

ولهذا كانت صدمة الانقلاب الحاد في المجتمع الألماني بفعل الأيديولوجية النازية شغله الشاغل. يقول إنه لو كان سويديا أو سويسريا لكان ألقى بعض النكات حول ما جرى وانتهى الأمر..

لكن بالنسبة له هذا لم يكن ممكنا. وفي مواجهة سكوت السياسيين الألمان بشأن تلك الفترة وجد من المهم جدا أن يقول للجيل كيف حصل الأمر، وبأنه حصل بشكل بطيء وممنهج وفي وضح النهار، وهو يقول إن ذلك يفطر قلوب الناس، ليس لأن كل شيء كان رهيباً، بل لأنه يقع على عاتقنا كبشر تغيير الأمور، لكننا لا نفعل.

وروايته «طبل الصفيح» التي كتبها بين 1956 إلى 1959 في باريس شكلت صدمة كبيرة للجمهور الألماني. وهو حض زملاءه الألمان أيضا على مواجهة تاريخهم الأليم وعدم السكوت عما جرى..

فيما هو لم يتوانَ بدوره في القتال بشجاعة في وجه إجماع ساحق، لأنه رأى قوة الأفكار في حرب الدعاية أكثر حسماً من قوة القنابل، وهذه النظرية برأيه برهنت عن صحتها في ألمانيا، فكل من يهيمن ثقافيا يفرض هيمنته السياسية.

وإدراكه للتغيير الكبير الذي يمكن أن تحدثه الأفكار، سواء من خلال الأدب أو الفن بأشكاله، كان حافزه للتصدي لكل أشكال التحول الذي أحدثته النازية من خلال الأدب والنحت والرسم والرواية، وقد وجد في الابتكارات مثل «التكعيبية» قوة لرؤية جديدة، وفي تقدمة جيمس جويس للحوار الداخلي في ايليوسيس تأثيرا في تعقيد فهم الناس للوجود.

كما انخرط في اجتماعات مجموعة 47 خلال الأعوام 1955-1967، التي تضم عددا من الكتاب الألمان، في سبيل تطهير اللغة الأدبية التي تلطخت حسب وصفه نتيجة دعاية الحقبة النازية. وهو يتحدث عن تلك الفترة بأنها كانت مهمة للأدب الألماني لأنها وفرت محتوى يمكن من خلاله إعادة انبعاث اللغة الألمانية.

سجالات تاريخية

أما أهم ما أثر في تكوين فكره، فكانت «أسطورة سيسفوس» لكامو، التي تصوره سعيداً بمصيره، والتي تصور دحرجته المتواصلة للحجر من الجبل كعمل يدعو للرضا عن الوجود، يقول يمكننا فهم هذه الأسطورة بأنها عبارة عن تصوير إيجابي لظرف الإنسان..

وربما من هنا يمكن فهم سجالاته حول العدالة الاجتماعية والسلام، كذلك فهم أعماله الكثيرة، سواء شعره الأخير «ما يجب أن يقال» التي يهاجم فيها ألمانيا لتسليمها غواصة لإسرائيل..

ومواقف إسرائيل التي يراها تهديدا للسلم العالمي، أو أسباب انتقاده لإعادة توحيد ألمانيا التي قارنها بضم هتلر للنمسا، واستقالته من حزب الاشتراكي الديمقراطي عندما وافق الحزب على «تسوية حول حق اللجوء السياسي» في عام 1992. كان غونتر غراس روحا مضطربة مشغولة بفظاعات القرن العشرين، ومنها نبعت بوصلته الأخلاقية.