من وراء ستارٍ تحدثن، فنقشن على جدار الإبداع حروفاً من ذهب، وبأسماء مستعارة انطلقن في مجالات الشعر والأدب، وعلى أبواب القلوب طرقن، وحلَّقن في سماوات الحب والغربة والعتب. هن شاعرات ألبسن أسماءهن النقاب، واستبدلنها بالألقاب، فانهمرت مشاعرهن غزيرة كالمطر، وعزفت أحاسيسهن على الوتر، فتحولت ألقابهن إلى «زهور بنفسج» تنثر حولهن العبير، و«قطرات ندى» تنساب بنعومة كالحرير.

«البيان» تواصلت مع عدد من المبدعات في مجالات الشعر والأدب، ليتحدثن عن حكاياتهن مع الأسماء المستعارة، وموقفهن منها. منذ كان عمرها 14 عاماً وحتى اليوم، لا تزال الشاعرة الهنوف تحتفظ باسمها المستعار، وترفض التخلي عنه أو التصريح باسمها الحقيقي، وعن ذلك قالت: منذ بدأت الكتابة والنشر في الصحف، وأنا أكتب تحت اسم «الهنوف»، وهو اسم مستعار اختاره لي الشاعر والمخرج السينمائي مسعود أمر الله، ومعناه المرأة المبتسمة ما بين البسمة والضحك، وقد وجدت في معنى الاسم دلالات جميلة جعلتني أتمسك به.

وذكرت الهنوف أن اسمها المستعار يعد «فاتحة خير» عليها، وقالت: أعتز بهذا الاسم كثيراً، فقد شهد معي البدايات، وزادت شعبيتي كشاعرة وعرفني الكثيرون به، حتى أن صديقاتي لا ينادونني إلا به.

وأشارت الهنوف إلى أنها تفتخر باسمها الحقيقي، إلا أن كثرة تداول اسمها المستعار جعله جزءاً منها، لدرجة أنها أصبحت تمثل الدولة في الأنشطة الثقافية به، لتعيد الأوراق الرسمية اسمها الحقيقي إلى الذاكرة بين سفر وآخر ومُعاملةٍ وأخرى.وأكدت الهنوف أنها تتحفظ على التصريح باسمها الحقيقي بسبب تعرضها لمواقف كثيرة، وعن ذلك قالت: تتعرض الشاعرات لمضايقات كثيرة بمجرد معرفة أسمائهن الحقيقية، فهناك من يتصيَّدون الأسماء الحقيقية ليزعجوا أصحابها، وبسبب هذه المضايقات أغلقت أيضاً صفحتي على «فيسبوك».

خصوصية

«الاسم المستعار خصوصية أنثوية تلائم طبيعة المرأة» هذا ما أكدته الشاعرة رهف المبارك، التي يعد اسمها هذا مستعاراً، وارتبطت أشعارها به ليصبح الاسم الأدبي الخاص بها، وقالت: اخترت اسم «رهف المبارك» وعرضته على والدتي ونال استحسانها، وهذا الاسم امتداد لاسمي الحقيقي ومرادف له، وأطلقته مع ميلاد أول مجموعة شعرية مطبوعة، وبالنسبة لي فأنا بطبعي خجولة، ويمنعني ذلك من إلقاء خطاب أو تقديم أمسية شعرية، ولذا وجدت الاسم المستعار أداة لإثبات الذات، أشعر من خلالها بالراحة حين أكتب وأعبر عما يختلج عقلي ووجداني.

وأشارت المبارك إلى أن الاسم المستعار كالبرقع المرصع بالجواهر، تضعه المرأة لتخفي خلفه جمال أنوثتها حيناً، وحيناً يفرضه عليها مجتمعها الحريص على صون كرامتها، وقالت: يحررني الاسم المستعار من ذاتٍ خجلى لا يمكنها البوح بعواطفها وأحاسيسها حتى لأقرب الناس منها، وهو ليس عائقاً أمام الإبداع والتألق، بل أراه يضفي جمالية وتناسقاً بديعاً على معزوفة الفن والفنان.

وعما إذا كانت ستفصح يوماً عن اسمها الحقيقي أجابت: ربما، لكن لا أعلم متى.

فخر وإنجازات

وأكدت الشاعرة شيخة الجابري أنها لم تستعن بالأسماء المستعارة أبداً، فليس هناك ما يستدعي ذلك، وقالت: وجدت الدعم والتشجيع من أهلي والمحيطين بي، وحين تكون هناك أسرة تفخر بإنجازات أبنائها وبناتها، تتوارى الأسماء المستعارة ولا يكون هناك حاجة لها، وبالنسبة لي فأنا واضحة في كل ما أكتب وليس لدي ما أخاف منه أو أخفيه.

دعم وتشجيع

«لم ألجأ إلى الاسم المستعار يوماً»، هذا ما أكدته الشاعرة والأديبة صالحة غابش، مشيرة إلى أن أشعارها ونصوصها الأدبية وقصصها ومقالاتها كانت تحمل دائماً اسمها الحقيقي، وقالت: لم يكن هناك أي حاجة للاسم المستعار، إذ كنت فخورة وسعيدة بما أكتب، كما أن الكتابة كانت دافعاً لي لأظهر ما بداخلي من أفكار ومشاعر، إضافة إلى أنني لم أخجل من التصريح بما أريد التعبير عنه، ولم أعانِ كغيري من نشر كتاباتي باسمي الحقيقي، فعائلتي كانت تشجعني باستمرار.

وأشارت غابش إلى أن السبب الأول في الاستعانة باسم مستعار يتلخص في الأسرة، وقالت: يرفض بعض الآباء أو الأزواج أو الأخوة ظهور المرأة ونشر اسمها أو صورتها، كما أن مبدعات كثيرات يرفضن التصريح بأسمائهن خوفاً من رد فعل الأسرة، إلا أنهن في الغالب يكن واهمات، لأنهن يلقين الدعم والتشجيع من المحيطين بهن، وخصوصاً إذا أثبتن قدرتهن على التحليق ببراعة في عوالم الشعر والأدب. وذكرت غابش أنها تحترم رغبة صاحبات الأسماء المستعارة.

عادات اجتماعية

انطلقت الأديبة نجيبة الرفاعي نحو عالم الأدب باسمها الحقيقي، فالمستعار لن يضيف إليها شيئاً، ولن يغير شيئاً من الواقع أو يقدمها بشكل أفضل، كما أن ليس لديها ما تخفيه، وقالت: وجدت الدعم والتشجيع من أهلي منذ البداية، كما أن نوع الكتابة التي أقدمها لا تستدعي مني التخفي وراء اسم مستعار. وأشارت الرفاعي إلى أنها أصرت على الظهور باسمها الحقيقي لرغبتها منذ البداية في معرفة آراء الناس فيما تكتب.

ولفتت الرفاعي إلى أن سبب لجوء بعض الشاعرات للأسماء المستعارة يعود إلى العادات الاجتماعية، فالفتاة لا يجوز أن تكتب عن الحب وغيره، أما وراء الاسم المستعار فتسترسل وتشعر أكثر بالاطمئنان، ولا تقلق من أن ينتقدها أحد، أو يسيء الظن فيها، وقالت: البعض كان يرى مجرد ذكر الاسم عيباً، أما اليوم فقد تجاوز مجتمعنا مسألة عدم التصريح باسم الأنثى، وأصبح الأمر عادياً. وذكرت الرفاعي أن الشاعرات هن من يلجأن إلى الأسماء المستعارة أكثر من الأديبات والروائيات، وذلك لخصوصية الشعر الذي يحتوي على تعبيرات أعمق وغوص في المشاعر ووصف الحبيب.

مصافحة الابداع

مع الأسماء المستعارة انطلقت شاعرات كثيرات، منهن من رأت في ذلك ملمحاً جمالياً، وخصوصية أنثوية، ومنهن من استنجدت به من مضايقات البعض، ومنهن من توارت خلفه خجلاً، أو أصغت للمجتمع، فارتدت «برقع» العادات والتقاليد وانطلقت مُبدعةً من ورائه. وفي المقابل، رفضت مبدعات كثيرات إلقاء الشعر من وراء ستار، فصافحن الإبداع بأسمائهن الحقيقية.