على وتر الهوية، عزف الفنان مرعي الحليان عرضه «مقامات بن تايه» التي قدمتها فرقة رأس الخيمة، أول من أمس، على خشبة قصر الثقافة، ليفتح الحليان من خلالها جرح الهوية والتراث والموروث، وما تتعرض له من ضياع، في ظل ما نشهده من تقلبات، ما أسال دموع الجمهور في الصالة، ليصعد الجميع على خشبة المسرح بمجرد إسدال الستار على العرض، لتهنئة طاقم المسرحية التي حظيت بإشادة الجميع.
مقامات
الحليان تمكن في «مقامات بن تايه» التي لعب بطولتها نخبة من الممثلين المخضرمين والواعدين، بينهم الفنان سالم العيان في دور المطرب الشعبي «بن تايه»، ويوسف حسن، وعبدالحميد البلوشي، والفنانة الشابة ميره، فيما تولى الفنان محمد حاجي دور مساعد المخرج.
أما المؤثرات الضوئية، فكانت من تصميم الفنان المهندس محمد جمال، من تقديم حكاية بسيطة حول مطرب شعبي مغمور تفتح له أبواب العالمية، إلا أنه يرفض هذه الفرصة، لتوازيها حكاية حب وعشق شائك وملغم بالأفكار والمفاهيم المتضاربة، لتبقى هذه الحكاية معلقة على أطراف شفرة الرومانسية الحادة لتثير الكثير من التساؤلات لدى المتلقي.
وبرغم ذلك يظل هناك خيط فكري يربطهما، بحسب ما أوضحه الحليان في الندوة التطبيقية التي قال فيها إن الحكايتين تسيران في زمنين ومكانيين مختلفين، إلا أن كل واحدة منهما مرآة للأخرى، مؤكداً أن أطروحات «مقامات بن تايه» تحكي عن توهان عام تعاني منه الشخصيات الخمس، وهو توهان أنتجه المأزق الحضاري، والانفصام الوجودي، والانسلاخ عن الهوية، ومواجهة إعصار انفتاح أعمى في سديم العولمة الذي قلب موازين الخصوصيات وخلخلها.
روح المسرح
«استطاع الحليان من خلال عرضه أن يعيد الروح إلى خشبة المسرح»، فرضية اتفق عليها النقاد والفنانون الذين حضروا في الندوة التطبيقية التي أعقبت العرض وأدارها عبدالله مسعود، بحضور مرعي الحليان الذي تولى تأليف وإخراج العرض، ففي الوقت الذي أشار فيه البعض إلى استمتاعه بلغة الشارع التي استخدمها الحليان في عرضه، لما تمتعت به من بساطة وسلاسة.
وتنوعت في مضامينها، أكد آخرون أن العرض فرض نفسه على الجميع بأسلوبه الراقي على الخشبة من ناحية الإخراج، وأشاروا إلى أنه جاء في مضمون رائع، تناول موضوع الهوية والتراث بأسلوب جديد، من خلال عزف الوتر على مقامات بن تايه الناقصة.
غانم السليطي، وفي مداخلته خلال الندوة التطبيقية، أشار إلى أن «النقطة المهمة في العرض تمثلت في تقديمه همّ الناس والمجتمع»، قائلاً إن هذه هي النقطة التي دأب المسرحيون على البحث عنها في نصوص الكتاب، داعياً إياهم إلى ضرورة أن يسكنوا هموم الناس في صدورهم.
مضيفاً أن «الحليان في هذا العرض بدا مسكوناً بهموم الناس، وليس لجنة التحكيم، واستطاع أن يعبر من خلال عزفه على مقامات ناقصة عن واقعنا الحقيقي، في حين أن حالة الحب التي جمعت الفتاة والشاب فيها دلالة على الضياع الاجتماعي».
معتبراً أن الجائزة الكبرى التي حظي بها العرض تمثلت في أنه سكن حضن الناس الذين صفقوا له بحرارة.
جرأة
في المقابل، وصف المغربي بوسلهام الضعيف، العرض بأنه امتاز بالجرأة، والتي قال إنها لم تتجسد فقط في موضوع العرض، وإنما في طريقة إخراجه، وقال: «الاشتغال على المساحة الفارغة في المسرح كان أمراً إيجابياً، إضافة إلى التوظيف الدرامي للإضاءة وعلاقتها مع الممثل وهذا تضمن جرأة عالية»، مشيراً إلى أن مشكلة العرض تتمثل في كثرة النهايات التي كان يجب اختصارها.
استخدام التراث والموروث الغنائي الشعبي وتوظيفه درامياً في العرض المسرحي وعدم استخدامه كفواصل درامية، لفت انتباه العراقية د. ليلى محمد، والتي اعتبرته أمراً مهماً، مشيرة إلى التوفيق في الاختيار من ناحية النغم والكلمة بالنسبة للنص الغنائي الموروث، ساهم درامياً في تطوير إيقاع العمل.
فواصل
اعتمد مرعي الحليان في العرض على تقنيات إخراجية جديدة، اشتملت على فواصل متنوعة، حيث تضمنت استعراضات للأداء الداخلي عند الممثلين، وفقرات للغناء ومساحات مناسبة للطرب، وأيضاً مساحة شائكة للاختلاف الفكري والصدام بين المفاهيم. وبحسب النقاد فقد استطاع الحليان في هذا العرض أن يخلخل المعتاد في بنائية العرض المسرحي المحلي.
