يحمل عرض مسرحية «ليلة زفاف» للمخرج مبارك ماشي، جماليات فريدة من نوعها في سياق برنامج أيام الشارقة المسرحية وذلك على مستوى الفكرة التي مزجت بين الشكل العصري لقصة قديمة من الموروث الشعبي الخليجي، برؤية إخراجية حديثة عالجت النص بمستوى عالٍ من الطرح، وبالرغم من تكرار تمثيل النص المسرحي للكاتب الراحل سالم الحتاوي في 1996 للممثلين عبد الله صالح وبدرية أحمد، إلا أن المخرج ماشي قدم رؤية مختلفة ساعده على إنفاذها أداء الممثلة علياء المناعي التي تفوقت درامياً بجانب الممثل حميد فارس.

وتستمر فعاليات أيام الشارقة المسرحية بعرض قدمته جمعية دبا الحصن للثقافة والتراث والمسرح أول من أمس على خشبة مسرح قصر الثقافة، وحضره مجموعة من فناني مجلس التعاون المتميزين وفناني دولة الإمارات والمهتمين بالمسرح.

متميز وبسيط

بالرغم من عدم دخول «ليلة زفاف» ضمن المسابقة الرسمية، إلا أن العرض كان متميزاً وبسيطاً في الأدوات والديكور، فكانت قطع الديكور عبارة عن شبكة صيد كبيرة تستغل أثناء حركة الممثلين لإعطاء إيحاء بجو البحر الذي تدعمه الأغاني الشعبية وشلات الصيادين، رغم أنه قد طغت عليه الملحمية والبكائية الزائدة، وبدا الارتباك واضحاً على الممثلين في بداية العرض فصوت الممثلين كان ضعيفاً إلا أنه سرعان ما عادت الأمور إلى نصابها واكتسب الممثلون الثقة لإكمال العرض.

خوض التجربة

العرض يحكي قصة نوخذه ابتلعته البحار خلال رحلة صيد، فانتقل الخوف إلى قلب زوجته التي خافت على ابنها عبيد «حميد فارس» من أن يأخذه البحر مثل والده وأخواله وأهله، فلم تشجعه على خوض التجربة مما أدى إلى تهيبه من البحر ما أدى إلى نعته بالعجز والضعف من قبل الناس، وتعويضاً عن ذلك تزوج أفضل فتيات المدينة شيخة «علياء المناعي» وفي ليلة الزفاف تكتشف عجز زوجها وضعفه، وتتوالى الأحداث وتصبح زوجته قوية عند معرفتها بعجزه وفي لحظة تنتقل الزوجة من القوة إلى الخوف عندما يقرر زوجها عبيد طردها ليلاً ولخوفها من طردها طلبت أن يقتلها أفضل من إرسالها إلى منزل أهلها في ليلة زفافها، ووسط البكاء والصراخ يقتل عبيد شيخة من دون قصد وسط أهازيج شعبية تنقلب بها ليلة الزفاف إلى ليل قتل.

السينوغرافيا

بالرغم من تناسق الضوء والموسيقى والديكور، إلا أن هناك انتقاداً وجه للمؤثرات الصوتية من خلال طغيانها على الحوار الدرامي، وتمثلت إشكالية العرض الأساسية في عدم قدرة المخرج على الانتقال بسلاسة من نقطة التحول التي أصابت شخصية بطلة العرض (القوة إلى الضعف) بشكل مفاجئ ليلة الزفاف عندما توسلت لزوجها ألا يطردها في أول يوم من زواجهما.

وخلال الندوة التطبيقية بعد العرض تحدث مخرج المسرحية عن هدف العرض ورسالته الكامنة في استعراض القصص الشعبية البحرية وإعادة إحيائها لدى المتلقين بأساليب جديدة ممتعة، مشيراً إلى حرصه على إحياء النصوص المسرحية لبعقري المسرح الإماراتي الراحل سالم الحتاوي.

إزعاج

الملفت للانتباه، كما أكد بعض حضور العرض، أن الضجة والإزعاج من جانب بعض المصورين والأحاديث الجانبية للبعض الآخر، داخل القاعة وسط الجمهور شوشت لحظات إنسانية مهمة أثناء العرض كان يجب إيصالها إلى المتلقين.

«أيام الشارقة» تشحذ ذاكرتها وتستشرف مستقبلها

 

مرور ربع قرن على انطلاقة أيام الشارقة المسرحية، كان مدعاة لأن يفتح ذاكرتها على الملأ، عبر «ندوة .. الأيام ذاكرة مسرحية» التي استضافها فندق هوليداي أن بالشارقة، وأدارها د. محمد يوسف، وشاركت فيها نخبة من المسرحيين وأقطاب المسرح العربي، الذين تحدثوا عن تجربتهم مع أيام الشارقة المسرحية، عبر استحضار ذاكرتها واستشراف مستقبلها من خلال إبراز التحديات التي تواجهها وكذلك تبيان المسالك التي يجب أن تسلكها بحيث تتمكن من الانتقال إلى مستوى آخر من الفعل المسرحي، بهدف تكريسه كنافذة نطل من خلالها على واقع المجتمع .

تقصٍ

في مداخلته، فضّل خليفة العريفي من البحرين والذي عاصر الأيام منذ لحظة ولادتها الأولى، التركيز على تطور الفرق المسرحية في الدولة، وقال: «إن الأيام خلقت من خلال دوراتها المتعاقبة مجالاً للمنافسة بين الجميع»، مشيراً إلى أن في الدولة نحو 17 فرقة مسرحية اقتصرت منافساتها على أيام الشارقة المسرحية فقط، وتابع: «ميزة أيام الشارقة المسرحية تكمن في أنها قد تناسل من رحمها الكثير من المهرجانات الأخرى مثل مهرجان المسرحيات القصيرة، والمسرح المدرسي، ومسرح الشباب والمسرح الجامعي، فضلاً عن أنها ساهمت في خلق مجموعة من مبدعي الكتابة المسرحية مثل سالم الحتاوي واسماعيل عبدالله ومرعي الحليان، وكذلك في الإخراج المسرحي والسينوغرافيا والتمثيل أيضاً».

ونوه العريفي بأن الفرق المسرحية في الدولة كانت قديماً حريصة على تقديم عروضها في كافة إمارات الدولة، وقد أدى هذا الحراك إلى خلق المبدع المسرحي، إلا أن الابتعاد عن هذا التقليد أدى إلى إحداث خلل في إيجاد موسم مسرحي ثابت، وبتقديري أن الخلل هنا يكمن في الفرق المسرحية وليس «الأيام»، وفي الوقت ذاته طرق العريفي قضية أخرى تتمثل في غياب النقد التحليلي للعروض المسرحية، وقال: «لا نزال نفتقد إلى الحركة النقدية الحقيقية، وما يوجد لدينا حالياً هو عبارة عن نقد انطباعي مستخلص من الندوات التطبيقية التي تتبع العروض مباشرة.

تجديد الأيام

تحت عنوان «من التأسيس إلى التجديد» طالب المغربي عبد الكريم برشيد أن يتم الاهتمام بتجديد الأيام، وقال: «نحن الآن أمام ربع قرن وهي مرحلة كافية لان نتمثل السنوات الماضية، واستشراف المستقبل المقبل»، وتابع: «بعد الولادة يأتي التجديد، وكل ما لا يتجدد يموت، وبالتالي فالمطلوب حالياً أن تتجدد في تفاعلها مع السياق التاريخي والمناخ العالمي الجديد، بحيث تكون في سياقها العام». وأشار برشيد إلى أنه يجب على «الأيام» حالياً الارتقاء إلى مستوى آخر، تكون قادرة فيه على مناقشة تحدياتها ومعالجتها، من أجل إعطاء الأيام أبعاداً أكثر اتساعاً وعمقاً، وقال: «لقد تمكنت الأيام من إيجاد حركة مسرحية فاعلة في المحيط العربي، كما أوجدت بنكاً من الأفكار والمبدعين في كافة مجالات المسرح»، معتبراً أن المسرح هو بيت الجميع، وبالتالي فقد أوجد المسرح ليكون مدرسة للديمقراطية، والمعنى الحقيقي للمسرح هو الحوارد.

إشراق

أما التونسي المنجي بن إبراهيم، ففضل في ورقته «المسرح مشرق في الشارقة»، أن يعود إلى بدايات الأيام، وبدايات الحركة المسرحية في الدولة، والتي قال عنها: «لم نكن نعرف قبل 30 عاماً أي شيء عن الحركة المسرحية في الإمارات، والتي أطلت علينا في مهرجان أيام قرطاج المسرحية بتونس في 1983، ومعها برز مجهود بعض المسرحيين الإماراتيين وعملوا على فرض وجودهم على الساحة»، وأشار إلى أن الفضل في ترسيخ الحركة المسرحية وجهودها على الساحة يعود إلى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.

الأردني حاتم السيد أكد أن المسارح في الخليج عملت عكس المسارح العربية، فقد اعتمدت في بداياتها على المحلية وثم انتقلت إلى القضايا العربية الأخرى، وأكد أن ذلك ساهم في خلق كتاب محليين ومبدعين حملوا المسرح على ظهورهم.

تساؤل

تساءل خليفة العريفي عن مدى تطور الفرق المسرحية في الدولة طيلة السنوات الماضية، وقال: أعتقد أن الفرق المسرحية في الدولة لم تتطور من الناحية النوعية، وظلت تراوح مكانها، ولم يصبح لديها موسم مسرحي ثابت خارج أيام الشارقة المسرحية، وبتقديري أن من الخطأ أن تبقى هذه الفرق معتمدة في عروضها على أيام الشارقة المسرحية فقط، ولذلك يجب أن يكون لها موسم مسرحي ثابت تختار منه عملاً مميزاً للمشاركة به في أيام الشارقة المسرحية.

ورشة تدريبية على الأداء الجسدي

 

انعقدت أمس في معهد الشارقة للفنون المسرحية، ضمن ملتقى الشارقة الرابع لأوائل المسرح العربي، على هامش أيام الشارقة المسرحية، ورشة تدريبية بعنوان «تمارين في العمل بحقل الذات»، قدمها المخرج السوداني صالح عبد القادر، الحاصل على دكتوراه في الدراما تخصص دقيق في الإخراج المسرحي.

طلب المدرب من المشاركين، التركيز المكثف، موضحاً: أن الممثل كالآلة والعازف في آن معاً، ولذلك، فعلى الممثل أن يشتغل على ذاته بالتعليم والتدريب المستمرين، مبيناً أن التدريب يؤتي ثماره من إحداث تغيير إيجابي ظاهر وملحوظ في سلوك الفرد وتعامله مع الآخرين، وإن لم يتحقق هذا الغرض، فلن تتحقق الفائدة من التعليم.

وانتقل عبد القادر بالمشاركين إلى تمرين آخر، ركز فيه على تمارين الشهيق والزفير وتمارين لعضلات الوجه والقدرة على إظهار إيماءات وتعابير الوجه المناسبة مع المشهد والموقف التمثيلي، فخلق للمشاركين بعض الأجواء، مثل الخوف، العطش، الفراق، الموت، الحب، وطلب منهم أن يعيشوا تلك المشاعر بحركات أجسادهم وتعابير وجوههم ونبرة أصواتهم.

جورج مطر من معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية، يقول لقد تم الإعداد لهذه الورشة بشكل مبدع، والحقيقة أنني لم أمر بمثل هذه التجربة من قبل، بالرغم من أني في السنة الثانية للماجستير في اختصاص «إعداد الممثل»، ويضيف: استطاع المدرب إثارة مشاعرنا بالبكاء والفرح، وأخرج كل ما في داخلنا من مشاعر، بما صاحب ذلك من تمرينات ونغمات الموسيقى المتفاوتة وتوجيهاته بنبرة قوية وصارمة وروحه العاطفية والانفعالية، لتؤثر تلك العناصر كلها في انفعالاتنا واستجابتنا.