تناغم جماعي وأداء جميل، شكلا ملامح التميز والتأثير في عرض «حرب السوس»، لجمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، في قصر الثقافة بالشارقة أول من أمس، ضمن فعاليات أيام الشارقة المسرحية الـ 25. إذ برزت فيه مواهب وطاقات شبابية رفيعة المستوى. وأبدع المشاركون في العمل، أكثر من 15 ممثلاً، في ما قدموه .. رغم أن بعضهم من صغار السن، ويقفون على خشبة المسرح للمرة الأولى.
وبدا العمل، برمته، وكأنه ينخر هياكل وأسوار تخفي الخربين، لينشر الوعي حول من هم أصل البلاء والنفاق والتدهور الخلقي.
أصل الخلل
إسقاطات سياسية واجتماعية متنوعة، يحملها هذا العرض، والذي أخرجه فيصل الدرمكي وألفه حميد فارس، مضيئاً على جملة أفكار وقضايا، محورها حقيقة كون أصل أسباب الحروب، وجود أشخاص هم فعلياً، مثل السوس، يخربون ويؤذون بشكل خفي، وتبقى أفعالهم غامضة وغير متنبه لها، تماماً كما في واقعنا، إلى أن تظهر مفاعيل ضررها وتصبح حديث المجتمع ومصدر قلقه ومعاناته.
«السوس»
تدور أحداث المسرحية، في جوهرها، حول اجتماع أصحاب مزارع، لمناقشة ووضع حل لسوسة النخل التي أتلفت الأخضر واليابس في مزارعهم. ووسط معمعة حواراتهم ونقاشاتهم، يأتي أحدهم شاكياً من السوس الذي أخذ ينهش جسده.
وحينذاك يقترح عليهم «سليم»، أحد الحضور، أن يقتلوا السوس الموجود في جسم الرجل الشاكي. ثم، وبعد عدة محاولات يُقتل الرجل جراءها، ما يؤدي إلى تدهور الأحوال في القرية، حيث لم تكن الجنازة الوحيدة في ذلك اليوم، نتيجة الوضع هذا.
ومن ثم يظهر سليم ليتجاذب الحديث مع هند التي تحبه، إلا أنه يرفض أبوها تزوجيها له، ذلك لمعرفته بعدم حسن طويته وسلوكه الشائن. وتدخل هند مع أبيها في نقاش ومشادات كثيرة غاية إقناعه، مدفوعة بعدم نضجها وقلة معرفتها بالحياة. ولكن، وفي دوامة تلك الأحداث ودورانها، يظهر سليم على حقيقته. فهو من انبت السوس في الزرع .. إنه أصل الخراب وجذر السوس.
البيئة العربية
اتسمت سينوغرافيا العمل بمحاكاتها الدقيقة للبيئة العربية. كما تميز في تجسيده لحيثيات النص على الخشبة، بوجهة جاذبة، مستنداً إلى ديكور بسيط يحاكي في روحيته الواقع والبيئة العربيين، إذ يتألف من جذوع النخل التي برع أهل المنطقة في استخدامها، والتي وظفت في عدة مشاهد وبطريقة سهلة وبسيطة. وبوساطة الستارة الشفافة في خلفية المسرح، استطاع المخرج أن يعكس ويترجم عبر الظلال..
ومن خلال الممثلين، روحية الأفكار والقضايا التي يبتغي أن يعبر عنها. كما لعبت الإضاءة والموسيقى والمؤثرات الصوتية دوراً كبيراً على خشبة المسرح، في دعم مضمون العرض ورسالته، إذ وظفت بشكل ممتاز وبطريقة موازية ومتنوعة، لتعكس آلاماً يعاني منها المزارعون بفعل وجود وتفشي السوس في مزارعهم وانتشاره. ومن ثم محاولاتهم حل المشكلة ومعرفة مصدر السوس.
عناصر متكاملة
كان لافتاً في العمل انه وظفت فيه مفردات اللهجة المحلية، بطريقة شائقة مفعمة بدلالات حوارية رمزية. كما برز العنف بصورة مؤثرة وقوية نسجها الجانب الحركي في الأداء، والذي تكامل مع شتى العناصر المسرحية الأخرى في العمل. كذلك برعت في هذا الخضم، موهبة جديدة: خليفة ناصر الذي جذب الانتباه بمهارته وبصوته الشجي.. وفي السياق، أٌخذ على المخرج عدم توظيفه بشكل أوسع في العمل.
أبعاد جمالية
صمم ديكور «حرب السوس»، مبارك ماشي. والصوت لأمجد علي. أما التنفيذ فكان ليوسف الدرمكي، والإضاءة، والتي أعطت أبعاداً جميلة للعرض، لآدم علي. كما صمم الرقصات فيها.
والتي برزت معها طاقة ونشاط الشباب، عبدالرحمن الملا. وشارك في التمثيل في العمل: خميس ثاني، عيسى مراد، عبدالله عبدالرحمن، منصور سعيد، سالم مراد، يوسف إبراهيم، حمد سعيد، عادل سبيت «سليم»، رانيا العلي «هند»، جمال السميطي، إبراهيم العضب، محمد آل رحمه، جوهر سعيد، محمد جمعة. إضافة إلى صاحب الصوت العذب : خليفة ناصر.
سعد الفرج يشجع الشباب على الخشبة

حضور خاص يزينه ألق اللفتات والمبادرة، يسم ويعنون مشاركة ووجود سعد الفرج في أيام الشارقة المسرحية الـ 25. وهو ما يتناغم مع حرص هذا الفنان الكويتي القدير، دائماً، على أن لا يغيب عن أية دورة لمهرجان أيام الشارقة المسرحية. إذ يبدو هذا الضيف البارز صاحب المكانة المتميزة والبصمة الكبيرة في مجالات المسرح والتلفزيون والسينما، في علاقة حميمية جميلة مع (الأيام).
وكم كانت جميلة لفتة الفرج، أول من أمس، وسط حضور من الممثلين العرب ومجلس التعاون، حين تقدم وصعد خشبة المسرح، في ختام عرض (حرب السوس)، ليشجع الممثلين بنفسه وعلى طريقته، محفزاً هؤلاء الشباب.. وباثاً فيهم طاقات حب وتفاؤل وحماس، ربما ستمثل جوة تميزهم في المستقبل.
التحزلات الزمنية وتحديات الواقع.. آليات المواجهة

تواصلت، أمس، جلسات ونقاشات المؤتمر الفكري المصاحب للأيام في دورة العام الحالي، مركزاً على محاور بارزة تهم المثقف والمسرحي العربي، وتبرز التحديات الجوهرية التي تمر بها المنطقة والحاجة الملحة لتطوير المسرح. وكانت موضوعات البحث والدراسة الأساسية في جلسات اليوم الثاني في المؤتمر« المسرح ومواجهة التحديات» و«تحولاته عبر الزمن».
تساؤل
ترأست الجلسة التي نظمت تحت عنوان: «المسرح في مواجهة التحديات»، المخرجة والباحثة العراقية ليلى محمد. وشارك فيها : الكاتب والناقد التونسي حافظ جديدي، المخرج والممثل المسرحي السوري تامر عربيد، المخرج والكاتب الموريتاني تقي سعيد.
بحثت الجلسة في مختلف الجوانب المتعلقة بموضوع البحث، راصدة المعوقات والتحديات. ففي ورقة بعنوان «المسرح وتحولاته عبر الزمن»، تحدث حافظ جديدي عن طبيعة المسرح الجماهيري في تونس ومدى تفاعل الجمهور مع العروض، وأكد على أهمية توسيع قاعدة الجمهور من خلال مسرح الشارع، والحاجة إلى خطوات جادة لدمج المسرح بالحياة الجماهيرية. كما تساءل عن أهمية ودور الملتقيات المسرحية في تطوير أداء المسرح.
نبض الشارع
ومن جهة أخرى، استعرض تامر عربيد التحديات الجوهرية التي تمر بها المنطقة وانعكاس ذلك على المسرح، ذلك من خلال ورقة «المسرح وحكاية التحديات» وكشف عن هشاشة البنية الثقافية للأمة العربية حالياً، لافتاً في الوقت نفسه، إلى ثقته الكبيرة في الشباب لإعادة المسرح إلى ما كان عليه. فهم قوة الفعل الإبداعي وبعيرهم لن يصمد المسرح.
وأوضح أنه يعول على مسرح الشباب، حيث يعتبره مسرحاً صادقاً لا يدعي الأفكار أو يتبنى الاتجاهات. كما أنه نبض الشارع والأمة، مستشهداً في الخصوص بفرقة «ومضة» المسرحية التي اتخذت من الرقص والغناء، وسيلة للوصول إلى المجتمع.
قيمة فنية
وتطرق تقي سعيد في ورقته «المسرح العربي وزمن التحديات»، إلى التركيز على تثقيف الطفل وتنمية حبه للمسرح، كبذرة أولى في المجتمع لتحسين الأداء المسرحي، لافتاً إلى ضرورة غرس الثقافة ضمن التربية المسرحية، وذكر أن الأزمات التي عاشها الوطن العربي تركت أثرها العميق على الثقافة والمثقفين، فطغت ثقافة فيها الكثير من التشويه ولم تعد العروض المسرحية تحمل أية قيمة فنية راقية، باستثناء القليل.
كما أكد الحضور، من خلال آرائهم ومداخلاتهم، على أهمية تحويل الفعل المسرحي إلى ممارسة واقعية بعيداً عن الفئة النخبوية من الجمهور.
الندوة التطبيقية
ركزت الندوة التطبيقية، التي ناقشت العمل (أدارها : د. محمد يوسف. وشارك فيها: مؤلف العمل: حميد فارس، ومخرجه : فيصل الدرمكي)، على تميز أداء الممثلين، مطالبة بضرورة التشجيع الكبير للطاقات الشبابية. كما أثنى الحضور فيها، على سينوغرافيا العمل، وعلى إبداعات مسرح كلباء الذي دائماً يتحف الجمهور بطاقات شبابية متجددة.
تخصص دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، كما درجت في كل عام مع دورات الأيام المتواصلة، خلال السنوات الأخيرة، جناحاً للإصدارات والمؤلفات الحديثة، يشتمل على إصدارات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. إضافة إلى مجموعة من الإصدارات الخاصة بالمسرح.
ويستمر تنظيم هذا الجناح طيلة أيام الشارقة المسرحية في قصر الثقافة. ومن بين أهم الإصدارات المتوافرة فيه: «البدايات المسرحية» صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، النشرة اليومية لأيام الشارقة المسرحية بعنوان «الأيام».
وهذا إلى جانب الكتيبات الصادرة في مناسبة جائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي، وكتيبات عن الشخصيات التي كرمت خلال المهرجان، مثل : سعاد عبدالله وإسماعيل عبدالله، وتتوافر أيضاً، إصدارات تعود إلى سنة 1986، تحتوي على أناشيد للأطفال ونصوص مسرحية. وهذا علاوة على إصدارات متنوعة للعام 2014، تتنوع بين الروايات والشعر والنقد.
تشهد أيام الشارقة المسرحية خلال دورتها الحالية، انعقاد ملتقى الشارقة لأوائل المسرح العربي الذي يكمل خلال هذه الدورة، عامه الرابع، حيث يهدف الملتقى إلى الاحتفاء بالمواهب الشابة ودعم الحراك الثقافي المحلي والعربي، ويستقطب الملتقى سنوياً مجموعة من الشخصيات المعروفة في عالم المسرح العربي، ممن تركوا بصمة واضحة في مسيرته، بهدف تعميق العلاقة بينهم وبين المواهب الشابة.
الجلسة
التفاصيل
التوقيت والمكان
الأولى
مسرحية «ليلة زفاف» لجمعية دبا الحصن للفنون.
تأليف: سالم الحتاوي.
إخراج : مبارك ماشي.
الساعة 7:00 مساءً قصر الثقافة
الثانية
مسامرة «نقد المسرح في الصحافة العربية ـ واقعه وآفاقه».
-يديرها عبدالناصر الجلاف.
- يشارك فيها: مرعي الحليان وعبده وازن وفيصل القحطاني ونواف يونس.
22:00 – 23:00
مساءً في فندق هوليداي ان
عبدالمنعم: المسرح الخليجي متطور

رغم ما تشهده المنطقة العربية من تقلبات وأزمات، يمكن أن تشكل مادة خصبة للمسرح العربي تسهم في نقله نحو مستويات أعلى، إلا أن المسرح لا يزال يشهد حالة تراجع واضحة، مدعومة بأزمته الرئيسية المتمثلة في انصراف الجمهور عنه، وتراجع النص الذي يشكل ركيزة المسرح الأساسية..
ذلك في وقت يحاول فيه المسرح العربي، كما يرى المخرج ناصر عبد المنعم رئيس المهرجان القومي للمسرح المصري، عبور المشهد العام عبر تطوير بعض من تقنياته، بدءاً من التمثيل والسينوغرافيا وصولاً إلى الإخراج الذي يجده لا يزال بحاجة إلى تطوير نوعي..
وليرفع عبد المنعم في حواره مع «البيان» شعار ضرورة استعادة المسرح لجمهوره، داعياً إلى أهمية استعادة النص المسرحي، ومشيراً في حواره مع (البيان)، إلى أن التجربة المسرحية الخليجية باتت فعليا، تتسم بالانفتاح والتنوع، ولم تعد مقتصرة أو غارقة في التراث.
بل إنها أخذت تحاكي الموضوعات العصرية وتضيء على الواقع، بحرفية. هل أصبح المسرح العربي بحاجة إلى تطوير رؤيته الإخراجية تمكنه من مواكبة ما تشهده المنطقة العربية حالياً من تقلبات اجتماعية وسياسية واقتصادية؟ أنا أؤمن بالتطور وبضرورته..
وبنظري أن طموح المسرحي الحقيقي المبدع لا يقف عند حد معين، فهو دائم الاشتغال على نفسه عبر الانفتاح على الآخر، لأن الهدف الرئيسي من هذا التطور هو استرداد المسرح العربي لزهوته، لا سيما وانه يعيش حالة متذبذبة بين صعود وهبوط، فقد معها الجمهور.
وبالتالي بات لزاماً علينا كمسرحيين، العمل على استعادة هذا الجمهور. تنبؤ المتابع للحركة المسرحية العربية، يشعر بوجود استسهال بالنص المسرحي، فهل يمكن اعتبار ذلك أحد أسباب تراجع المسرح؟ بالتأكيد، فدور النص المسرحي يشهد حالياً تراجعاً ملحوظاً، رغم التطور الذي أصاب مختلف عناصر العرض المسرحي من الناحية التقنية.
وبتقديري أن هذا التراجع يشكل أزمة أتوقع أن تستفحل مستقبلاً، لأن النص هو ركيزة المسرح، وبالذات في المسرح العربي الذي يعتمد في أساسه على الحوار والخطابة والأدب. تجربة وانفتاح بالنظر إلى التجربة المسرحية الخليجية، كيف ترى عملية تطورها، وهل استطاع المسرح الخليجي الخروج من منظومة التراث، أم لا يزال أسيراً لها؟
من خلال متابعاتي للتجربة المسرحية الخليجية، أرى أن هناك حالة خروج من منظومة التراث، التي اشتغل فيها المسرح الخليجي لفترة زمنية محددة كان لها ضرورتها، وبتقديري أن التجربة الخليجية حالياً تشهد انفتاحاً ملحوظاً على موضوعات وتجارب وتقنيات أخرى، بحيث لم يعد التراث هو موضوعها الرئيسي كما في السابق..
وأعتقد أن هذه تعد خطوة إيجابية للتجربة الخليجية، لأن المسرح يجب أن يتميز بالتنوع والقدرة على النفاذ إلى العالم. الدراسات والروايات ترفد فيض الثقافة في «الأيام » 4 سنوات على ملتقى الشارقة لأوائل المسرح من فعاليات اليوم.
