بين ديوانه الأول «صور الوله» وديوانه الثاني الصادر حديثاً «مولانا الغرام» 10 سنوات أمضاها الشاعر والإعلامي اللبناني حسن م.عبد الله، بحثاً عن أدوات لغوية يقول بواسطتها ما يختلج في نفسه من آلام وحب وتفكّر في الوجود والحياة والإنسان.

يقول إن ديوانه الجديد «مولانا الغرام» لا يكشف حقيقة أسلوبه الشعري. ويضيف «أنا في بحث مستمر عن تعبير يريحني من آلام الشعر التي تتحكم بي. كلما كتبت قصيدة تنخسف الأرض بي وأروح أرثي لغتي وفكرتي كمن ينظر خلفه لمتابعة ما تهدم منه».

فضاء

ترى هل يريد الشاعر حسن م.عبد الله أن يقول إنه لا فضاء شعرياً لقصيدته؟ يرد هو بالقول: كتابة الشعر عندي عبارة عن تجاوز للفضاء والنظريات والأساليب. أنا لا أعترف لا بالشعر الموزون ولا بالشعر الحر ولا بأي شكل آخر.. أنا أكتب، فإما تقع القصيدة في التفعيلة وإما تكون حرة كما ينبغي لها أن تكون. لا قرار مسبق عندي بالكتابة ضمن نسق معين.

مرات عديدة ولدت على طاولتي قصائد موزونة بحسب هذا البحر الشعري أو ذاك، لكنني كنت أشتغل عليها فتعود، أحياناً، حرة من التفعيلة. قد تقول لي هذا نوع من العبث فأقول لك نعم هو عبث ولكنه مقصود ومطلوب لأنه يريحني حتى من القيود التي أفرضها على نفسي أحياناً.

لنترك التفعيلة جانباً.. لمن تكتب؟

أكتب لأدافع عن نفسي أولاً ولكي أسمع لغتي وصوتي وفكرتي. أنا أكتب لكي لا أتألم. وقد تسغرب ما سأقول: قبل أن تولد قصيدتي أشعر بآلام في معدتي وتضيق نفسي كمن يمسه مرض غامض.. طبعاً يهمني عدد لا بأس به من أصدقائي ومعارفي.

ألا يهمك الجمهور؟

يهمني من الجمهور مَنْ ينفذ إلى باطن القول الشعري وصورته وأبعاده. أنا ضد الشعبية في الشعر لأنه إن كان كذلك فسيتحول إلى خطاب شعري يسعى وراء المنابر. لا أعني هنا أنه لا وظيفة عامة للشعر. بلى هو كذلك لكن ذلك يمكن أن يحصل في بلاد فيها رأي عام وحريات ونمو ثقافي ووجدان ثقافي. عندما تصدر ديواناً وتبيع 100 نسخة فماذا يعني هذا؟ يعني برأيي المتواضع أنه لا شعبية للشعر في بلادنا إلا على مستوى فردي وبعض الجماعات والأوساط المهتمة.

لماذا أسميت ديوانك «مولانا الغرام»؟

لأن الغرام هو السر الذي يوجه حياتي ويقودني في علاقتي مع الآخر. الغرام هو المودة والحب والصداقة والأخوة وكل تلك المشاعر الإنسانية، ثم إنني أحببت أن يغضب مني كل الولاة الذين يقومون على الدم والسيف والعنف، فيكون مولاي الوحيد هو الغرام وليس أولئك القتلة.

هل تتأثر بغيرك من الشعراء؟

طبيعي. لكن الأصح هو القول هل تحب غيرك من الشعراء. أن تحب شاعراً أو شاعرة فذلك يعني أنك تتأثر. قرأت لشعراء وشاعرات من العرب والأجانب، خصوصاً الفرنسيين والألمان والأتراك والإيرانيين والأفغان.. الخ. لا مشكلة في أن تتأثر بهذا أو ذاك لكن المشكلة هي أن تقع في فخ الاستنساخ أو التماثل والاستلاب.

للأسف هناك شعراء وشاعرات وقعوا في آفة الترجمة الفاشلة للقصيدة الغربية وعاشوا على ما خلفه شعراء من الغرب. هل نجحوا؟ سأكون غير صادق إذا قلت إنهم لم ينجحوا. المنابر مليئة بهم كما هي مليئة الجامعات بأستاذة دفعوا الفلوس لقاء حيازتهم لقب دكتور.

استلاب

أأنت غاضب؟

لست غاضباً بل أنا يائس. لا تستغرب فقد يكون الفساد قد ضرب في قلب الساحة الشعرية وباتت مستملكة من عدد قليل من مثقفي العلاقات العامة وأجراء السلطة وتُبّع الأغنياء.

كتبت عدداً من قصائدك في دبي خلال إقامتك فيها.. حدثنا عنها؟

دبي مرحلة جميلة. تعرفت فيها إلى مثقفين وشعراء، لا سيما الصديق عبد الحميد أحمد وغيره الكثير. لم أكتب عن المدينة، لكنها كانت تظهر كَلُمَحٍ نارية في بعض ما كتبت. قلت في إحدى القصائد:

لا ماء هنا لكنني أرى كل شيء يجري كالنهر.

تعني لك المدن كثيراً مثل بيروت وباريس وغيرهما؟

المدينة قصيدتي الأحب، أعني بالمدينة الأمكنة. أنا كائن أعيش في الخارج، أقضي معظم وقتي باحثاً عن معاني الشوارع والأبنية والساحات والآثار وحركة الناس بكل أطيافهم في المقاهي والمطاعم والمدارس والمؤسسات. يعني أنا أتابع حركة المدينة في يومياتها. هذا الموضوع يساعدني على الكتابة.

هل تحضر لديوان جديد؟

نعم أشتغل حالياً على نصوص لها علاقة بتجربة الألم والغياب. هذان أمران يعذبانني. لقد خضت تجربة مع آلام أمي ورافقتها في كل ثانية معاناة، ثم فقدتها دفعة واحدة كمن يقع من طائرة باتجاه الفراغ المطلق.

مشروع

أعمل على محاولة إنجاز تعبير شعري متحول وديناميكي، وأحاول الوصول إلى أن أكون متفرداً ومختلفاً. لا مشاريع حقيقية سوى أنني مثلاً أحلم بأن يكون لنا في بيروت بيت للشعر نضع فيه كتبنا ونقرأ قصائدنا، لا سيما أن جيلاً شاباً ممتلئاً بالشعر يبحث عمن يأخذ بيده.