التقى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة صباح أمس، بضيوف مهرجان الشارقة للشعر الشعبي في دورته 11 في دارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية. حيث قدم سموه سرداً تاريخياً دقيقاً ومفيداً حول جذور الشعر النبطي.

في مستهل اللقاء رحب صاحب السمو حاكم الشارقة بضيوف المهرجان الذين توافدوا إلى عاصمة الثقافة من مختلف أقطار الوطن العربي.. مبيناً سموه أن الدارة مكان يضم الفكر والمعرفة والتاريخ، ومن يدخله بالضرورة يخرج بفائدة علمية ومعرفية.

اللوحة اللافتة

وقال سموه: إن ليلة انطلاق مهرجان الشارقة للشعر الشعبي استوقفته لوحة كتب عليها «القصيدة هوية وطن» ويقصد بها القصيدة النبطية، وذهب فكري بعيداً في معنى هذه المقولة ودلالتها التاريخية، فأردت أن أشارككم هذه الرحلة التاريخية مع بداية الشعر النبطي..

فقبل 1800 سنة قبل الميلاد توجه سيدنا إبراهيم عليه السلام من العراق إلى شرق الأردن، باحثاً عن دليل يدله على المعبود، وحاول الاستدلال بالقمر والشمس وغيره فوجد أنها تأفل فانصرف عنها، وتزوج بسارة، لكنها لم تنجب، واتجه إلى الجنوب وتزوج من هاجر .

وهي مصرية ولا نقول فرعونية بل مصرية لأنها مصر اسمها مشتق من مصرايم بن حام بن نوح ومن سلالة حام بن نوح كذلك كنعان أبو الفلسطينيين وكوش الذي تنسب إليه قبائل شرق السودان، ورحل سيدنا إبراهيم  وزوجته إلى الجنوب نحو مكان مكة، ولم تكن مكة يومئذ موجودة، بل هنالك أطلال مدفونة تحت التراب، تاركاً زوجته هاجر هناك، وهي التي أنجبت له إسماعيل عليه السلام.

سرد شائق

وأضاف سموه أن سيدنا إبراهيم عليه السلام توجه نحو الشمال إلى شرق الأردن، حيث زوجته سارة التي أنجبت له لاحقاً إسحاق ومن سلالته يعقوب وعيسو.. ويعقوب كان له من الأبناء يوسف وإخوته الـ12 الذين يطلق عليهم الأسباط، ودخلوا مصر في قصتهم المعروفة وبقي عيسو أخو يعقوب في نفس المنطقة ولم يرحل مع أخيه.

وتابع سموه :عندما رجع سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى مكة وجد أن إسماعيل عليه السلام كبر في السن وتزوج من قبيلة جرهم، وهي قبيلة عربية، من عبلة بنت عمرو الجهرمي، وسيدة بنت مضاد الجهرمي، وحنفاء بنت الحارث بن مضاد الجهرمي وأنجب 12 أبناً أكبرهم يسمى «نبط» نسبة إلى الماء الذي نبع.

وحكم نبط مع أخواله بعد موت أبيه إسماعيل.. وفي عام 600 قبل الميلاد، ضرب الجفاف المنطقة، وتوجهوا إلى الشمال، نحو أبناء عمومتهم، من أبناء عيسو، فأسسوا في الشمال مملكة الأنباط، وأخذوا الملك عن أبناء عمومتهم، وعلموهم العربية..

وفي عام  312 قبل الميلاد، انتبهت الدولة البيزنطية إلى أن جزءاً من مملكتهم قد انشق، فأرسلت حملة بقيادة انتيكوس وأبيدت الحملة بالكامل، ولم يرجع منهم أحد، وسيطر الأنباط من الشام إلى قرب اليمن، وكانوا يتاجرون وينقلون المواد من الشمال إلى الجنوب، وسميت برحلة إيلاف، وبقيت هذه المملكة إلى سنة 100 ميلادية، أي أنها استمرت 700 سنة، وتولى زعامتها العديد من الحكام، منهم الحارث الذي تولى عام 312 قبل الميلاد، وآخرهم مالك الثالث في عام 100 بعد الميلاد.

وقال سموه: إن الأنباط كانت لهم العديد من الانتصارات والمفاخر، مما جعلهم ينقلونها في صورة أبيات شعرية، سهلة الحفظ، تعبر عن حماستهم وفخرهم، وإليهم ينسب هذا النوع من الفنون الشعرية..

 وفي رحلة عودتهم إلى مكة، حملوا قصائدهم التي سميت بالنبطية وبرزت مكة في تلك المرحلة على أنها مكان التقاء القبائل العربية، وتميزت بأسواقها مثل سوق عكاظ، الذي كان يجتمع فيه الشعراء، فحار الشعراء وتسألوا، هل يكتبون قصائدهم بالفصحى أم بالنبطي، حتى جاء القرآن الكريم باللغة العربية الفصيحة، إضافة إلى السنة الشريفة والفتوحات الإسلامية التي ساهمت جميعاً في ترسيخ اللغة العربية الفصيحة وسيادتها، وانزوى الشعر النبطي.

وعبّر صاحب السمو حاكم الشارقة عن سعادته بأن يرى شعراء موهوبين يعبرون عن مشاعرهم بغير تكلف أو تصنع.

وصايا

طالب سموه الشعراء والمهتمين بهذا النوع من الفنون بأن لا يهتم بالحجم على حساب المضمون والجودة حاثاً إياهم على الاهتمام باللغة العربية وآدابها والالتزام بقواعدها اللغوية والنحوية. ودعا سموه المسؤولين والقائمين على مهرجان الشارقة للشعر الشعبي إلى تقييم القصائد المعروضة ونوعيتها وإعطاء المبدعين الأولوية في نشر قصائدهم..