حين يكون الفنان صوت المجتمع، ليعبر عنه من خلال فنه، يصبح التفرغ أمراً يصعب تحقيقه، وفي مجال الفن التشكيلي، يعانق الفنانون مجتمعاتهم بإبداعاتهم التي تعكس علاقتهم مع الواقع والمحيط، أو الخيال الذي يستلهمونه من وجودهم في أحضانه، ما يجعل من التفرغ جداراً يعزل الفنان التشكيلي، ومعادلة يصعب حلها.

صعوبات عدة تواجه مسألة التفرغ، تتمثل في مدى قدرة الفن التشكيلي على توفير متطلبات الحياة الكريمة لصاحبه، وتأثير التفرغ على علاقة الفنان بمجتمعه، ومدى وعي الجمهور بالفن واتجاهه نحوه.

«البيان» التقت مجموعة من الفنانين التشكيليين، الذين لم يجمعوا على ضرورة التفرغ للفن التشكيلي لأسباب عدة، أهمها أن الفن التشكيلي لم يصل بعد لمرحلة النضج الكافي التي تستوجب تفرغ صاحبه، إضافة إلى ما يسببه من عزل اجتماعي.

«لا أتفق مع ضرورة أن يتفرغ الفنان 100% لفنه»، هكذا بدأ الفنان التشكيلي ناصر عبدالله رئيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية حديثه..

مشيراً إلى أنه من الممكن أن يتفرغ الفنان لمشروع أو برنامج أو نشاط معين لفترة محددة، ولكن التفرغ الكامل سيعزله عن المجتمع وقال: الفنان يمثل صوت المجتمع، فكيف سيمثله وهو لا يعيش ضمن المنظومة العملية في الحياة، كما أن مسؤوليات الحياة كثيرة بما فيها العمل والأسرة والمجتمع، ولا يمكن أن يقتطع الفنان نفسه من كل ذلك.

ولفت ناصر عبد الله إلى أنه يجب مراعاة مسألة التطور التدريجي لدى الفنان، مشيراً إلى أن الفن عملية تراكمية يجب أن تأخذ حقها بشكل جيد، ومع هذا التراكم ينضج الفنان، وتباع لوحاته لقيمتها الحقيقية.

دعم

أكد الفنان التشكيلي والناقد علي العبدان أن التفرغ نوعان، الأول تفرغ من قِبل الحكومة، والثاني تفرغ ذاتي، وقال: بالنسبة لنا، فليس هناك تفرغ إلا في حال وُجد نشاط معين يتطلب مشاركة الفنانين فيه، كمهرجان مسرحي أو سينمائي مثلاً، كما أن الدعم موجود في دولتنا أكثر من التفريغ، كأن تطلب وزارة الثقافة من الفنانين في مناسبات معينة، تقديم مجموعة من اللوحات الفنية وتقوم بتوفير كل الدعم لهم، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي.

وعن التفرغ الذاتي قال العبدان: قد يتخذ الفنان قراراً شخصياً بالتفرغ للفن، وهذا يعتمد على سوق العمل، وفي حال كانت اللوحات الفنية تحقق مردوداً جيداً، فمن الممكن أن يكسب الفنان رزقه من وراء عمله الفني، وإن لم يكن كذلك، فسيكون التفرغ صعباً جداً. وأكد العبدان أن الوضع الفني جيد في الساحة المحلية، لافتاً إلى أن العمل الفني يعتمد على عدة أمور، كماهية العمل والسياق الذي يوضع فيه، وهو ما يجذب الجمهور للوحة الفنية.

التزامات وفواتير

«الفن التشكيلي في تطور مستمر ولكنه لم يصل لمرحلة يتفرغ فيها الفنان بعد»، هذا ما أكده الفنان التشكيلي ناصر نصر الله، لافتاً إلى أن كليات الفنون بدأت منذ وقت قريب..

وأن الفن التشكيلي يسير في طريقه ولا يزال بحاجة للكثير، وقال: مع هذا، هناك فنانون اتخذوا هذه الخطوة كابتسام عبدالعزيز التي تركت وظيفتها للتفرغ للفن، وبالنسبة لي فقد تركت وظيفتي وتفرغت لمدة سنة كاملة للفن، إلا أنني في النهاية أمتلك أسرة يجب أن أوفي بالتزاماتها المادية، وفواتير يجب دفعها، وهذا يزيد صعوبة التفرغ للفن.

وأشار نصر الله إلى أن الفنان لو اشتغل على نفسه بشكل صحيح، وكانت هناك جهة تدعمه بشكل جيد وتتولى مسؤولية تسويق أعماله، فمن الممكن أن يتفرغ للفن، ولفت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في الثقافة العامة للأشخاص، ومدى تفاعلهم مع الفن.

توازن

لفتت الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين إلى أنها لا تستطيع التفرغ للفن كونها أماً وزوجة، إضافة إلى أنها ليست مضطرة للتعامل مع الفن كمصدر رزق، لاعتمادها على زوج يعيل الأسرة...

وقالت: أشعر أني يجب أن أكون عادلة مع أسرتي حتى أحقق التوازن بينها وبين وفني. وأشارت ماجدة إلى أنه مهما وصل الفنان لمراحل إبداعية، لا بد أن يشعر بالإحباط لعدم وجود مؤسسات تحميه كفنان في حال عدم بيع لوحاته، وقالت: ليس لدينا في العالم العربي مؤسسات ترعى الفن وتتبنى أعمال الفنان وتبيع لوحاته، ومعظم الفنانين المتميزين لا يجدون من يسوق لهم أعمالهم، ما يشعر الفنان بالإحباط.

الفن والخبز

اختلف الفنانون على مدى قدرة الفن التشكيلي على أن يطعم خبزاً، إذ ذكر ناصر عبدالله أن الشغف يخلق مردوداً مادياً جيداً لأي مهنة كانت وليس للفن وحده، في حين أكدت ماجدة نصر الدين أن الفن التشكيلي لا يطعم خبزاً ولا يستطيع الفنان أن يعيش من وراء فنه ولوحاته، وأنه لا بد أن يكون موظفاً في مكان آخر.