حين تعانق الفنون برقتها العلوم بجديتها، يكون النتاج إبداعاً من نوع خاص، وهذا ما عكسه مهرجان الفنون الإسلامية بالشارقة، الذي حمل هذا العام في دورته السابعة عشرة شعار «فنون وعلوم»، مجسداً الفيزياء والرياضيات والطب بطريقة فنية تنطق بالجمال، مُحولاً القوانين المعقدة إلى إبداعات وابتكارات فنية تغريك بأناقتها، وتثير الفضول لديك لاستكشاف الأفكار التي انبثقت منها.

هو حوار علمي فني بحت، خلقته اللوحات والمجسمات والأعمال التركيبية والصور الفوتوغرافية وعروض الفيديو، التي تباهت وتناثرت في زوايا متحف الشارقة للفنون، لتعكس قدرة وحرفية الفنانين المشاركين في تقديم أفضل نتاج فني يتحدث بلسان العلوم.

وبجولة في المتحف بقاعاته المتعددة، تشرق الشمس وتضيء النجوم ويطل القمر، ويتغزل الظل بالضوء، وتعانق الجاذبية الأرض، ويتمايل الخط العربي بانحناءات ناعمة تثير غيرة الصور الفوتوغرافية، فتتألق هي الأخرى على جدران المعرض بكل دلال.

«البيان» خلال جولتها بالمتحف، التقت عدداً من الفنانين، الذين أشادوا بفكرة علاقة العلوم بالفنون، مؤكدين أنها فكرة مبتكرة ترقى بمستوى الفكر الإنساني والذائقة الإبداعية في نفس الوقت.

بتكنيك فريد ومبتكر، تألقت 20 لوحة فنية، أبدعها الخطاط الإيراني محمود زينديهوري، واستوحاها من علم النجوم والفلك، وعنها قال: أسعى للابتكار في لوحاتي، ما يجعلني أستخدم «الكولاج» بطريقة خاصة تتداخل من خلالها الأحرف بشكل حميمي مرسوم بأناقة، وملون بألوان تبعث الحيوية في نفس المتلقي.

هندسة وتكرار

ومن الأشكال الهندسية، انطلقت الفنانة الأميركية ساندرا فيتينغيز بـ 11 قطعة فنية، تكرر فيها الشكل الهندسي أكثر من مرة، ليقدم بالتالي لوحة فنية جميلة ومبتكرة، وعن معرضها قالت: أسميت معرضي«الأقل الأقل الأكثر الأكثر» ولهذا علاقة بالتكرار الذي يقدم صوراً مختلفة للشكل الأولي، وتعتمد فكرته على أنه كلما بذلنا وعياً أكثر حول شيء ما، كلما ظهر وتحول ونما أكثر، والعكس، ولهذا الارتباط علاقة بالحياة وما نقدمه من عطاء فيها، واعتمدت في فني على شكل واحد وخامتين و3 ألوان، ومن خلال هذا المزيج تكون النتيجة قطعاً معقدة وأخرى بسيطة، وفلسفة معرضي تستند إلى التكرار وكم يخلق من جمال.

وبأكثر من شكل فني، تألق معرض الفنان كيرت هوفستيتر من النمسا، إذ احتوى على أعمال تركيبية ومجسمات، وعنه قال: في معرضي «المتوسط الذهبي، أنماط غير عقلانية جديدة» تناولت علم الفيزياء، واخترت الجاذبية الأرضية، وقدمتها بأشكال فنية بسيطة أزالت الغموض والتعقيد الذي يحيط بمفهوم الجاذبية لدى الكثيرين، وبالنسبة للخامات المستخدمة فهي المسطرة والبوصلة وقطع البلاط وكرات الفولاذ المتصلة.

وبين فيزياء الجسيمات المتطورة وروعة التاريخ العلمي الإسلامي، جمعت الفنانة ليندال فيليبس من النمسا، تركيباً متميزاً انتصف معرضها الذي حمل اسم «تباين مشترك»، واستلهمت الأقراص المتدلية منه من الإسطرلاب الإسلامي، وعن معرضها قالت: الإسطرلاب في جوهره نموذج للكون، وأداة يمكن للفلكي أن يحملها بين يديه، واستخداماته عديدة، وهو ما أخذني نحوه وجعلني أطوعه في تقديم عمل فني مبتكر.

تقاطعات وعمارة

ولا تتوقف حدود المعرض عند هذه العلوم، ففي كل ركن وقاعة هناك ما يدفع المتلقي دفعاً للتعرف على المزيد، ففي زاوية «تقاطعات»، تناولت الفنانة الأميركية أنيلا قيوم، علاقة الظل والضوء، مستعينة بالزخارف الإسلامية التي أضفت على أعمالها سحراً من نوع خاص.

كما أبدع الفنان الإيراني محمد رضا في زاويته «العمارة وخيارات الرؤية»، تصوير فن العمارة وتألقت قباب المساجد وأسقفها على يديه، وازدادت وهجاً وبريقاً بكاميرته، وظهر في لوحاته اهتمامه الكبير بالضوء والألوان في المساجد القديمة.

إبداع وحرفية

أكدت فرح قاسم، نائب المنسق العام لمهرجان الفنون الإسلامية، أن الفنانين أبدعوا في تقديم أعمال مزجت بين العلوم والفنون بطريقة مبتكرة، مشيدة بحرفيتهم الكبيرة في تجسيد العلوم الإنسانية وعلوم الرياضيات والفيزياء والطب وغيرها في أعمالهم الفنية بشكل معاصر، ولافتة إلى أن شعار المهرجان في دورته الحالية «فنون وعلوم» نجح في استحضار الابتكارات العلمية التاريخية وملامسة الرؤية الفنية المعاصرة في نفس الوقت.

المجلس الشرقي

لا تكاد تخطو أولى خطواتك نحو المعرض، حتى يستقبلك «المجلس الشرقي» الذي أبدعته أنامل الفنانة عزيزة شاعوني، وهو عبارة عن تصميم داخلي استخدمت فيه ما يقارب من 3000 قطعة من الخشب، وقامت فيه بتصميم جناح مستوحى من المشربية والمجلس التقليدي المنتشر في الشرق الأوسط، وتتألف جدران المشربية من الخشب المعاد تدويره، إضافة إلى سلسلة من الغرف المفتوحة وشبه المفتوحة، وتظهر حرفية الفنانة من خلال تركيزها على التفاصيل الدقيقة والإتقان الكبير في العمل.