لم يكن الحوار مع الكاتب والناشر جمال الشحي، مؤسس دار «كُتَّاب» للنشر، كأي حوارٍ آخر، فصراحته اللامتناهية رسمت لدينا علامات استفهام كثيرة، وأخذتنا نحو منحى تتمايل فيه الثقافة بين مفهومي الترف والصناعة، وبين مواهب احترنا في تصنيفها بين حالتي الإبداع والفوضى. هو تاجر كما اعترف في حواره مع «البيان»، ورجل أعمال حَوَّل الكتاب إلى سلعة، وتعامل مع النشر كـ«بزنس»، ليعيد للثقافة والمثقف حقهما.

عن معايير دور النشر، ودَوْر القطاع الخاص والحكومي في دعم الثقافة، وموضوعات أخرى، تحدث جمال الشحي في هذا الحوار.

كثرة دور النشر، هل أتاحت المجال للإبداع أم خلقت حالة من الفوضى؟

الإبداع طبعاً، منذ متى كان النشر متعلقاً بالفوضى!!

فوضى النشر جعلت أياً كان، يُطلق على نفسه لقب روائي اليوم؟

من كان لديه رواية، يستحق أن يطلق على نفسه روائياً.

وماذا عن جودة الرواية؟

الذي يقرر الجودة هو الجمهور كونه الناقد الأول، ولو قدم الكاتب رواية، وتقبلها الجمهور، فهو روائي.

ولكن أغلب الأدباء والروائيين الكبار يرون الروايات الجديدة ليست على المستوى المطلوب.

وأغلب الروائيين الكبار، كانوا يوماً روائيين صغاراً، ولم يقرأ لهم أحد، وقال عنهم الروائيون الكبار - حينئذ - نفس ما يقولونه اليوم عن المبتدئين. فكيف ننقد البدايات بهذه الطريقة الصعبة؟!

تدقيق ومعايير

ننتقل للتدقيق، لأي مدى هو موجود على الروايات الجديدة؟

التدقيق موجود، ولا بد أن يحترمه الناشر، فالجمهور لا يخطئ التدقيق، ولا يمكن خداعه فهو اليوم ذكي وواعٍ.

وماذا عن داركم «كُتَّاب» للنشر؟

لا ننشر أي رواية إلا إذا وافقت عليها لجنة القراءة.

ما معايير لجنة القراءة الخاصة بكم للموافقة على الرواية؟

أعضاء اللجنة نخبة من مثقفين وأدباء وكُتَّاب، وليس هناك معايير محددة، تماماً كجائزة البوكر، ما هي معاييرها؟ لو سألنا أحداً منهم لن يجيبنا، فليس من حق أحد أن يسأل عن معايير التقييم، بالإضافة إلى أن هناك فكرة مغلوطة، فنحن قطاع خاص وليس حكومياً، والتجارة هي من يحكم هنا، وقد اعتدنا - بشكل عام - على أن الثقافة ترف، ولكنها ليست كذلك، فلا بد أن نعطي الثقافة حقها وقيمتها.

أنتم كدور نشر خاصة مَن حوّل الثقافة إلى تجارة وترف.

لا، على العكس تماماً، الدور العامة هي من حوّلها إلى ترف، لأنها لا تتعامل مع الكتاب على أنه سلعة، ولا تعطيه حقه، إنما تهديه، أو تطبعه بلا مقابل، ولا تتعامل معه كصناعة، ولكننا حين نعود ونتعامل مع الكتاب كصناعة فإنه سيحصل على حقه.

تاجر وسلعة

بوصفك ناشراً، هل تقبل أن يتحول الكتاب إلى سلعة؟

نعم، أقبل ذلك، وقد حولته فعلاً إلى سلعة، وفتحت رخصة ودفعت مقابلها مبلغاً من المال، فأنا تاجر في النهاية، أسعى لهدف نبيل فعلاً، لكن الكتاب منتجي.

لكن هناك من يقول: «يجب ألا نتاجر بالثقافة»؟

من يردد ذلك ربما يكون موظفاً في الحكومة، ولكن في القطاع الخاص لا مجال لذلك، فمثلاً، السينما نوع من أنواع الفنون والثقافة، فهل نقصدها أو نقصد المسرح.. مجاناً؟، لا طبعاً، وهذا ما يفعله موزعو الأفلام، يعطون الفنان حقه وقيمته، فالممثل والمغني لهما قيمة، أليست هذه ثقافة تباع وتشترى عن طيب خاطر؟، فلماذا لا تكون هناك قيمة أيضاً للكتاب وأجر للكاتب؟ ما الضير في ذلك؟

وهل تقاس قيمة الكاتب بالمال؟

لا طبعاً، ولكن قيمته في أن يحصل على مردود من كتابه، وهذا حقه، والسؤال هو: كيف أعطي الكاتب حقه لو تعاملت مع الثقافة كترف؟

بهذا سيُظلم الكاتب والناشر والصناعة نفسها، ونحن كدور نشر خاصة، نقوم بالشيء الصحيح، لنعيد للثقافة والمثقف حقهما. ويكفي أن الكاتب الإماراتي اليوم يستطيع أن ينشر وهو في مدينته، وأصبحت كتبه من أكثر الإصدارات مبيعاً. وفي الحقيقة أن سبب تطور المجتمعات الغربية يعود إلى تعاملها من النشر كصناعة، أي كتجارة «بزنس»!!

هل يعاب على القطاع الحكومي تعامله مع الكتاب على أنه ترف؟

لا أبداً، هذا دوره، يقوم به على أكمل وجه، ولكن لا يمكن اقتحام القطاع الخاص ومطالبته بالقيام بدور القطاع الحكومي، فلكل قطاع دور، قد نختلف في نقاط، ولكنا نتلاقى في رسالة الثقافة النبيلة.

البيضة والدجاجة

ذكر جمال الشحي أن توجيه أصابع الاتهام للقطاع الخاص بأنه يعمل على تدني حال الثقافة يشبه صراع البيضة والدجاجة الأبدي، ولكن في النهاية يجب أن يقوم كل قطاع بدوره، بما يدعم الثقافة ومجتمع المعرفة، لافتاً إلى أن خيارات المبدع اليوم أصبحت متعددة، من دور نشر ومسارح ودور سينما ومقاهٍ ثقافية ومعارض كتب وجوائز أدبية.