يوجه الدكتور يوسف عايدابي في اليوم العربي للمسرح، الموافق العاشر من يناير 2015، رسالته من على منبر مسرح محمد الخامس في افتتاح الدورة السابعة لـ «مهرجان المسرح العربي» التي تعقد في الرباط (10 إلى 16 يناير 2015)، ويؤكد فيها ضرورة حرص المعنيين على أن يكون المسرح العربي، أداة اجتماعية تمهد للتسامح والتعايش والحوار.

ويأتي إلقاء د. عايدابي للرسالة في سياق ما درج عليه الوسط الثقافي العربي، بشأن الاحتفاء بالمسرح العربي، في يوم خاص، من خلال فعاليات متنوعة، على رأسها رسالة للمسرح العربي تلقيها إحدى القامات المخضرمة.

وكان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ألقى الرسالة في العام الجاري (2014) من على منصة الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي، التي عقدت بالشارقة. إلا أن العمل بهذا التقليد كان قد شرع منذ 10 يناير 2008.

ويعد صاحب رسالة اليوم العربي للمسرح د. يوسف عايدابي، من علامات المسرح والثقافة في الوطن العربي عامة، وهو حاصل على الدكتوراه في تاريخ ونظرية المسرح (دراسات مقارنة) من جامعة بوخارست-رومانيا.

ومتخصص في علوم المسرح والسينما. ويشغل الآن منصب المستشار الثقافي لصاحب السمو حاكم الشارقة (الإمارات العربية المتحدة)، ومستشار الهيئة العربية للمسرح. وشغل مسؤوليات عديدة مهمة، سابقا.

 

نحو تعددية إثنية وثقافية

 

د. يوسف عايدابي / السودان

يعاني وطني السودان، أكثر من غيره على صعد كثيرة، سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، من انشطار الهوية، فشق منه عربي، وشقه الآخر أفريقي. لسانه عربي، ورطاناته متعددة متنوعة.

سحناته عربية وإفريقية، وجذوره مختلفة عديدة، فهو جسر ثقافة العرب إلى أفريقيا، وهو محل تفاعل ثقافات أفريقيا مع العروبة. إشكالات أهل السودان بين خياراتهم وواقعهم وآفاقه، فمنذ استقلاله، يجهد السودان لإقامة مجتمع متماسك واحد، ولكن هيهات، فالشمال شمال، والشرق شرق، والغرب غرب والجنوب جنوب.

ولقد انشغل المثقفون بهموم الوطن وأناسه، وذهبوا في ذلك الانشغال مذاهب شتى، كان لنا نصيب منها في مطالع ستينيات القرن الماضي، عندما كنّا شباباً في جامعة الخرطوم، فتنادينا، نحن كوكبة من شعراء الوطن، لطرح حيّز إبداعي جديد للثقافة السودانية تمييزاً لها، تحت مسمى «الغابة والصحراء»، نحو تعددية إثنية وثقافية، ولتنوع لقوس قزح ثقافي للهوية المتمددة والوطن المتمدد ليلم أشتات الأعراق والثقافات المتباينة، وبحيث يكون للجهات وناسها أصواتهم وأثرها وفعلها في ثقافة المركز.

ومشى الوطن ومشى الزمان، لأدعو، في مطالع السبعينيات، لمسرح لعموم أهل السودان، متخذاً من مجمل أشكال التلاقي والتجمعات الشعبية في الحل والترحال، وفي البر والنهر، وفي البادية والحضر، وفي الغابة والجبل، ملعباً ومسرحاً ومكاناً لمسرحة لصيقة بالناس لقضاياهم.

وأسهبت في ذلك الشأن تفصيلاً لأشكال وصيغ المسرح الطقوسية والتراثية والتقليدية، تعداداً لها وابتعاداً بها عن الصيغ الأوروبية، عن المنصة الإيطالية، بل وعن المباني الدائمة المتعارفة للمسارح، خروجاً إلى أرض الله الواسعة، فكل مكان نظيف فيه شمس أو بدر تمام، وفيه متلقٍ ومؤدٍ، هناك يكون المسرح الذي نريد، وما المسرح الذي نريده؟ إنه ذلك الكشّاف المباشر لما يعتمل في النفس، وما يعتور المجتمع، وما يُطرح من سُبل ينصلح بها حال الذات والجماعة.

وسيلة

ومن ما يتضمنه نص رسالة عايدابي، أيضاً:

"لا نريد مسرحاً للنخبة أو لفئة قليلة في بلداننا التي ترزح تحت نير الحروب والجوع والفقر والمرض. في مثل بلادي الكليلة العليلة الممزقة.. لا نريد للمسرح إلا أن يكون أداةً اجتماعية ووسيلة للمقاومة والكفاح ضد التفرقة والاحتراب.

على المسرح أن يكون في مناطق النزاع والشقاق، وفي أماكن العلم والتنمية، فرصةً للتسامح والتعايش والحوار..وبوسع المسرح أن يكون وسيلة ماضية مستدامة لتنمية الإنسان الجديد والمجتمع العربيّ الجديد.

 فما علينا كمسرحيين إلاّ أن نعيد النظر في فكرة المسرح ودوره.. وأن نتأكد أننا لا نحاكي ونتبع الغرب سيراً في الركب المتعولم.. إن ظروفنا الراهنة إجمالاً مضطربة متقلبة.. وعلى المسرح أن يكون في طليعة أدوات المستقبل، وإلاّ فهو لزوم ما لا يلزم..فيا أهل المسرح، استيقظوا".