بقسمات وجه لا تنبئ عن شاعر مجدٍ بقدر ما تنبئ عن طفل كبير، ظل متمسكًا بتلك الهيئة البريئة أو كما يقال الوجه الطفولي، بصوت أجش يخترق أذنيك، وتعرف أنه له منذ أن تسمع الجملة الأولى التي يلقيها من أشعاره الشهيرة، إنه عمنا صلاح جاهين، الذي تعود ذكرى ميلاده الرابعة والثمانين لتذكرنا بميلاد الشاعر الذي بلغ منذ شبابه عمر المئة عام.

بدأ الطفل حياته في حي شبرا بالقاهرة من يوم الخامس والعشرين من ديسمبر لعام 1930، حينها وُلد الطفل بوجه أزرق، لم يصرخ ولم يعلن نفسه ببكاء مثلما يفترض، حتى ظن جميع المحيطين أنه قد وُلد ميتًا، ولكن ما إن تمضي دقائق قليلة، حتى يقرر الطفل الصغير أن يصرخ ليعلن للمحيطين أنه ليس كما اعتقدوه.

كان صلاح طفلًا هادئًا، حتى إنّ هواياته كانت تُقارب شخصيته، إذ صنع لإخوته البنات العرائس اليدوية الدقيقة، كما استطاع أن يجذبهن حوله بحكاياته، كما أنه قد ورث حب القراءة عن أمه أمينة حسن، أما بدايته مع الشعر فكان ذلك في صباه، حيث كتب قصيدته الأولى وهو في السادسة عشرة، ورثى فيها الشهداء الذين سقطوا داخل مظاهرات الطلبة بالمنصورة عام 1946.

التحق جاهين بكلية الحقوق، وذلك رغمًا عنه، بعد أن حاول دخول كلية الفنون الجميلة لحبه للرسم، ولكن والده أبى إلا أن يدخل ابنه كلية الحقوق آنذاك، ليوافق صلاح على طلب أبيه بمضض، ويعيد السنة تلو السنة، فعقله وقلبه لم يكونا أبدًا مع تلك الحياة، ثم يكسر صلاح التقاليد لأول مرة، ويترك دراسته إلى غزة، حيث بدأ من هناك طريقه الذي اتبع فيه شغفه وحبه الأول، ليسافر فيما بعد إلى السعودية من أجل عمله كمصمم مجلات، ولكنه عاد إلى مصر بعد أن جذبه الحنين لوطنه الأم.

جاهين والموهبة

تعددت مواهب جاهين، فقد كتب، ورسم، ضاربًا المثل بأن المبدع يمكن أن تظهر موهبته بالتساوي في كثير من المجالات المختلفة، بعيدًا عن مثال «صاحب بالين.. كذاب»، فقد اشتهرت رسوماته الكاريكاتورية، حتى عمل بجريدة «الأهرام» التي نشر فيها عشرات الرسوم الكاريكاتورية، والتي قد تجاوزت بفكرتها أبناء جيله.

رباعيات

كانت رباعيات جاهين هي الأشهر على نطاق الشعر العامي في الوطن العربي كله، بل وغناها كبار المغنيين مثل علي الحجار ومحمد منير وغيرهم، بالإضافة إلى الأعمال السينمائية التي كتب لها السيناريو والحوار، مثل أفلام «شفيقة ومتولي، عودة الابن الضال، اللعنة، المتوحشة، أميرة حبي أنا»، كما قام بتأليف فيلم «خلى بالك من زوزو»، بالإضافة إلى العديد من الفوازير أبرزها «الخاطبة، لغز الملك شهرزاد، عروستي»، كما كتب مسلسل «حكايات هي وهو» .