انطلقت صباح أمس فعاليات «مؤتمر الشعر النبطي» باكورة أنشطة «مؤسسة الإمارات للآداب» ومبادرتها «مركز دبي الدولي للكتّاب» بالشراكة مع «مركز حمدان بن محمد آل مكتوم لإحياء التراث»، وشارك في المؤتمر الذي يستمر لمدة يومين والمقام في فندق انتركونتننتال بدبي فستيفال ستي، مجموعة من المتحدثين المختصين بالشعر النبطي.
وهم الأستاذ الجامعي المستشرق الدكتور كلايف هولز الذي يدرس الشعر النبطي بجامعة أوكسفور ببريطانيا، والباحث الدكتور سعيد بن كراز المهيري من الإمارات والباحث سعيد بن سلمان أبو عاذرة من الأردن، والمستشرق الدكتور مارسيل كوبرشوك من هولندا.
رحبت إيزابيل أبو الهول العضوة في «مؤسسة الإمارات للآداب» ومديرة «مهرجان طيران الإمارات للآداب» في بداية المؤتمر، بالحضور من المعنيين بالشعر والأدب بمن فيهم طلبة الجامعات، ليستعرض الدكتور هولز أهداف المؤتمر وتفاصيله المعنية بالشعر النبطي كمضمون وقيمة فكرية واجتماعية وتاريخية وأسلوب بنيته وتراكيبه.
ديمومة وأصالة
تحدث د. هولز في البداية عن تجربته في البحرين قبل 40 عاماً حينما كان يعمل مدرساً للغة الانجليزية، واهتمامه باللغة العربية التي درسها في الجامعة وفي مصر. وبدأ كلمته باستعراض ما كانت عليه دبي عندما زارها في الزمن القديم وما هي عليه الآن من تطور شمل جميع أوجه الحياة، مع احتفاظ شعبها بأصالة القيم والأخلاق الإنسانية التي ربط بينها وبين ديمومة وأصالة الشعر النبطي في المنطقة.
وتحدث عن دراساته وبحوثه في الشعر النبطي بالعودة إلى القصيدة الشفاهية أو الشعر الشعبي، مروراً باختلاف آراء الأكاديميين بشأن القيمة الأدبية للشعر الشعبي، مستشهداً بمقدمة ابن خلدون والفارق بين الفصاحة والبلاغة، حيث الفَصَاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبَلَاغة لا تكون إلَّا وصفا للألفاظ مع المعاني، وبالتالي فإن الفصيح لا يعني بالضرورة بليغاً.
وعليه نجد في الشعر النبطي البلاغة بمعانيها وأبعادها.
المصب واحد
وتناول الباحث سعيد بن كراز المهيري في ورقته «الشعر العامي في الإمارات - تاريخه ورموزه وأوزانه»، مبتدئاً بمقولة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في حديثه عن الشعر العربي والعامي، «مجمل الشعر إن كان عربيا أو نبطيا.. العربي له معناه والنبطي له معناه والمغزى واحد، مثله مثل الشعاب التي تهد على وادي ويصبح المصب واحداً».
ويقول المهيري، «الشعر النبطي شعر عامي اللغة، يقوم على الأسس الفنية الرئيسية التي يقوم عليها شعر الفصحى، من حيث الشكل والأوزان والقوافي، وينتشر من الناحية الجغرافية في منطقة الخليج ومناطق نجد وبوادي الجزيرة العربية، ويمتد إلى بوادي سيناء وغرب العراق وبلاد الشام».
عليا الهلالية
انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن الاجتهادات في تعليل تسمية هذا الشعر باسم «النبطي»، ليصل إلى بدايات تاريخه ويقول، «انتشر هذا الشعر بين المجتمعات البدوية فصار شعرهم عبر التاريخ، ولذلك ذكره ابن خلدون في مقدمته بشكل موسع، وأورد لبني هلال الكثير من الفضل في انتشاره.
وكانت القصيدة الأولى في هذا المجال لعليا الهلالية حبيبة أبي زيد الهلالي، التي أرسلتها إليه وهو في المغرب يقاتل البربر في القرن الخامس الهجري ومنها: تقول فتاة الحي عليها وهاضها.. ولا قايل مثلها في الحي قايل/ بالله إن تهيئ لي طروش لأجلهم .. يسيرون ما بين الضحى والقوايل».
وبعد تقديمه لإطلالة سريعة على نشأة الشعر العامي، تحدث المهيري عن تاريخ نشأة الشعر العامي وبحوره وأغراضه في الإمارات مع تقدم نماذج من أشعار تلك المرحلة ويقول، «المعروف أن دولة الإمارات جزء من الجزيرة العربية، ولها تاريخها الثقافي والاجتماعي والسياسي عبر القرون، وهو الأمر الذي يظهر جليا في قصائد شعرائها عبر العصور، مع أهمية ملاحظة ما هو متشابه مع شعر المحيط الجغرافي من جهة، وما هو مبتكر وخاص بالبيئة الإماراتية من جهة أخرى.
والتقصي في الشعر الإماراتي العامي يأخذنا إلى الماجدي بن ظاهر شكلاً ومضموناً وتاريخاً وبيئة شعرية متكاملة».
عتب التاريخ
ويعتب المهيري على التاريخ ومن أضاع الكثير من أعمال هذا الشاعر بسبب عدم اهتمام المؤرخين والباحثين حينها بالشعر العامي، وما تبقى منها القليل، وأشار إلى اتباع الشاعر الطريقة الهلالية في قصائده، وهو البحر الشعري الذي يكاد يكون الأول في ميدان الشعر العامي القديم وقرأ مثالاً على هذا البحر قصيدة لابن ظاهر الذي تميز شعره بالحكمة والفخر.
«يقول الفهيم المايدي إلى بنا.. والأمثال ما بين الروات أتقال/ يوصيّك عن كثر الكلام المخالف.. وماجاك من كثر الحديث أقوال»، وينسب الفضل في جمع أشعاره إلى الأديب الراحل حمد خليفة أبو شهاب الذي أصدر ديوان الماجدي مشروحاً ومنفصلاً. مع التحقق من نشأته ونسبه وموطنه ووفاته بدراسة متأنية جاء فيها وفاته سنة 1623 ميلادية.
شاعر محارب
واستعرض المهيري بعد ذلك نماذج من أعمال الشعراء الذين برزوا بعد الماجدي، ومنهم الشيخ محمد الفلاحي الياسي، الذي دارت بقيادته معارك شرسة بين بني ياس والقوات البرتغالية في حدود سنة 1642 م، حيث تم أسر الشيخ وبعد إصابته بجروح ونقله من قبل البرتغاليين إلى عمان، حيث تم إعدامه.
وظهر في مراحل لاحقة على بن محمد محين الشامسي، وسعيد بن شرار الفلاسي، حيث دار بينهما العديد من السجالات الشعرية حوالي سنة 1247 هـ.
بحور القصيدة
وتحدث عن بحور القصيدة النبطية وخصائصها من المثلوثة إلى المربوع أو الشعر المروبع والقصيدة المنسوبة التي يعرفها بقوله، »يبدأ البيت فيها بالكلمة التي في نهاية الشطر الأخير من البيت الذي قبلها سواء أكانت القصيدة مضمومة أو مهمة أو مثلوثة أو مروبعة. ويعبر هذا النوع من الشعر عن مدى قوة الشاعر في التلاعب بالألفاظ«.
ويستمر في تسمية أنواع البحور كالألفية التي تبدأ أول كلمة في بيتها الأول بحرف الألف والبيت الثاني بحرف الباء وهكذا إلى نهاية عدد الحروف، وهناك القصيدة المبنية التي يبنيها الشاعر على أسماء أيام الأسبوع أو عدد أيام الشهر أو السنة كالقصيدة المبنية على الحروف الهجائية وهي قليلة بين الشعراء. وقرأ مثالاً عليها قصيدة »درت الأمثال« للشاعر جمعة بن عد الرميثي التي بدأها بأيام الأسبوع ومن ثم بعدد أيام الشهر.
المهملة والمظمومة
وعرف أبو عاذرة بأنواع أخرى من القصائد مثل القصيدة المهملة التي يتكون البيت الواحد فيها من شطرين يحافظ فيها الشاعر على قافية واحدة مع اختلاف الناعشة من بيت لآخر.
والناعشة هي قافية الشطر أو الأشطر الداخلية في البيت الواحد، والقصيدة المظمومة والشعر القومي الذي يعكس تعصب البدوي لقبيلته وعائلته. وتحدث بعد ذلك عن أثر الشعر في القبيلة التي تعتبر الشاعر أحد أركانها.
الدبلوماسي والبدوي وذكريات رحلته مع اللغة العربية
يروي المستشرق الدكتور مارسيل كوبرشوك من هولندا رحلته مع اللغة العربية التي أوصلته إلى الشعر النبطي لـ»البيان« بقوله، »بدأت علاقتي مع اللغة العربية من دراستي لها في هولندا وبعدها في القاهرة عام 1970 وسكنت في المدينة الجامعية وبعد عودتي لبلدي تم تعييني عام 1975 في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية وعدت إلى مصر التي بقيت فيها ثلاث سنوات، توقفت بعدها لمدة عام كي أنهي رسالة الدكتوراه في القصة القصيرة عند يوسف ادريس.
وبعدها أرسلوني إلى سوريا ومنها إلى نيويورك التي بقيت فيها خمس سنوات كعضو غير دائم في مجلس الأمن. وفي عام 1985 انتقلت إلى السعودية ليتم تعييني نائب سفير في الرياض«. ويتوقف برهة ليقول بأسلوب الطرفة، »أتعلمين أن هناك الكثير من العوامل المشتركة بين الدبلوماسي والبدوي كلاهما في ترحال وتنقل دائم«.
ويتابع مسيرة رحلته إلى الشعر النبطي قائلاً، كنت قريبا من البدو وأشعر بينهم بحرية أوسع، وأصدرت كتابي »البدوي الأخير« الذي كتبته بالهولندية ومن ثم العربية والذي لاقى اهتماماً واسعاً.
بحور وقوالب
تحدث سعيد بن كراز المهيري عن بنية القصيدة فقال : «بمرور الزمن أصبحت هناك بحور وقوالب شعرية خاصة بكل بقعة جغرافية، وتولدت في الإمارات بحورها الخاصة التي توارثها الأجداد والأجيال اللاحقة، وهي : الونة التي تأتي على شكلين »مثناية ومثلوثة«، وفي مقدمة شعراء هذا البحر الشيخ ذياب بن عيسى الفلاحي والشيخ خليفة بن شخبوط آل نهيان والشيخ سعيد بن طحنون آل نهيان والشيخ بطي بن سهيل آل مكتوم وغيرهم من المبدعين.
ومن البحور الإماراتية أيضاً الردح والتغرودة والعازي والمسحوب والمنكوس والمربوع والهجيني وبحور أخرى.
اختلاف الأجيال واللغة
يقول الدكتور كلاف هولز الذي حصل على شهادة الدكتوراه في اختلاف اللغة بين الأجيال في البحرين، »وصلت البحرين في بداية الستينات من القرن الماضي، ودرّست اللغة الانجليزية.
وكان كل من حولي يتحدث بالعربية التي تعلمتها والتي قادتني لاحقاً لأدرك الفارق بين اللهجات في البحرين تبعا للمنطقة لأقدم أطروحتي في هذا التوجه ولتزول تلك الفوارق على مقاعد الدراسة التي توحد بين الجيل اللاحق وما بعده. وفي عام 1970 بدأ اهتمامي بالقصيدة النبطية الذي استمر حتى اليوم، وقادني الشغف بها إلى عوالم بحورها وأوزانها وكل ما فيها من تاريخ وجمال.
أصدر هولز أكثر من 7 كتب ابتداءً من عام 2000 أولها «أنغام من آرابيا» والمقصود هنا السعودية ويضم مجموعة من مقالاته، و«القصيدة النبطية في الإمارات» عام 2011 بالتعاون مع الأستاذ الباحث د. سعيد بن سلمان أبو عاذرة، و«القصيدة والسياسية في المجتمع البدوي المعاصر» عام 2009 وغيرها من الكتب التي تعنى بالأدب العربي.
تعادل ملحة الحكي
ابتدأ الباحث سعيد بن سلمان أبو عاذرة الذي حرص على تعادل ورقته بالدقائق الممنوحة له ورقته، ببيت الشعر «إحكي ترى ملحة الحكي نيشان .. وقليل الهرج يكفي عن كثيره». ويحكي عن رحلته إلى الإمارات بين زمنين، الحديثة التي استغرقت بالطائرة ساعتين ونصفاً من عمان، والقديمة قبل 41 عاماً التي استغرقت شهرين ركوباً على الناقة.








