روائع من شِعر، تهادت على وقع الإحساس، وعزفت على أوتار الحياة بكل ما فيها من تحديات وحب ونصر، وتباهت بالإنجازات والتجارب الإنسانية، فكانت ومضاتٍ عانَقَ فيها الفكر أنامل الشعر، وتمازجت فيها إيقاعات الوطن مع روحانية الإيمانيات.

ونبض إبداعها بالحياة ملامساً عزائم الشباب، ومحتفياً بالقيــــادة العظيمة، ومطلقاً العنان لخيال القارئ ليصول ويجول في مسيرةِ قائدٍ غزته الموهبة في سن مبكرة، ونظمت الإبداع على شفتيه نظماً، فانهمرت المشاعر والأفكار على هيئة موسيقى نبطية ومقطوعات فصحى، غرست جذورها في أرض خصبة، فأزهـــرت وروداً ورياحين، فاح منها عبيرُ شعرٍ حمل الأصالة في كل كلمة من كلماته.

أطل علينا حديثاً كتاب «ومضات من شعر»، فكان بستاناً ضم اثنتين وخمسين ومضة مختارة من قصائد كاملة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، في مجموعة شعرية تغنت بكل معاني الجمال، وواجهت الحياة بكل تحدياتها، فكانت روائع مستقاة من نبع الحكمة، وتركت وراءها بصمات لن يتوانى التاريخ في تخليدها يوماً، فالإنجازات فيها كبيرة، والطموحات أكبر وأكبر.

إبداع مُلهم

أجمل ما في «ومضات من شعر» أنه جسر يعبر من خلاله القارئ إلى مسيرة محمد بن راشد، وبوابة يمكن من خلالها إلقاء نظرة على الفلسفة والقيم والمبادئ التي تقف خلف شخصية قائد مبدع، ألهم الكثيرين بشعره، ولفت انتباه جمهور واسع ونخبة من الشعراء الذين أثنوا عليه، وتحدوه بطريقته، فكانت سلاسة كلماته وروعتها هي رده عليهم.

وتفوق بسرعة بديهته وتلقائيته وطلاقته على أي محاولات للنيل من إبداعه، لا سيما أنه أخفى هويته الأصلية عندما خرج بأشعاره مستعيناً بالأسماء المستعارة، فكان النصر الأكبر للكلمة وللموهبة، قبل أن تكون للشخص ومكانته.

على وتر الحــب عـــزفت ومضات محمد بن راشد، وفي سماء الوطن حلَّقت، وفي مدارات الحياة سارت بخطى ثابتة، ونطق صوت الإيمان بأجمل ما فيه، فعكس الكتاب شخصية قائد لا يعرف المستحيل، وقدَّم همــــسات شعرية باللغتين العربية والإنجـــليزية، وشكَّل هذا الأمر تحدياً حقيــــقياً، فاختلاف اللغة قد لا يقـــف عائقاً في ظل التطور الكبير في عالم الترجمة.

ولكن نقل الحس العربي البدوي والقيم الأصيلة والصور البلاغية والمـــجازية التي تمـــيز لغتنا العربية هو ما يمكن الوقوف عنده، إلا أن ذلك أيضاً لا يمكن اعتباره هاجساً حين يجتمع عدد من مختصي اللغتــين، الساعين لتقريب المسافات بين المعنى المقصود والحس المنشود في العربية ونظيره في الإنجـــليزية، لتأتي الأشعار بالعربية رائعة، لا ينافســها جمالاً ســوى ترجمــــتها بالإنجليزية.

رسائل

«طبْع هذا الكون ما يحب السكون.. لا ولا ينظر لمن خلى وراه»، رائعة انطلق منها «ومضات من شعر» فكانت رسالة مباشرة صافحت الهمم العالية، وعانقت الطموحات الكبار. ومع «رسالة إلى الأمة» بدأت الأشعار خطواتها، وعلى وقع الفصحى انهمرت القصائد، لتصل إلى «رثاء والدنا الشيخ زايد» التي اختزلت كل الحب في أبيات شعرية قال فيها:

 

«نم قرير العين بعد التعب..

يا أبي الأكبر من بعد أبي

أنت ما كنت لشعبي قائداً..

بل زعيماً لجميع العرب»

 

وأجمل ما انتــهت به هذه القصيدة تعبيره بأن زايد كان يمــثل أمةً بأكملها إذ قال:

 

«لم يكن زايدٌ فينا واحداً..

بل هو الأمة حين النُّوَب»

وللشباب نصيب

وبين مخاطبة الهمم وعبارات الرثاء، لم ينسَ محمد بن راشد أن ينقل خبراته للشباب، ليقدم لهم في «عزم الشباب» وغيرها من القصائد دروساً وعبراً، واصفاً لهم الماضي بكل صعوباته وتحدياته، ومثيراً في نفوسهم الحماس الذي تتحول بفضله الأحلام إلى واقع مثمر.

وطن وغزل

في عالم الحب والغزل، حلّق محمد بن راشد، فأتت همساته رقيقة ناعمة، حلوة كالعسل، وعطرة كالنرجس، وكقائد حكيم ومعطاء، فرض إحساسه بوطنه وشعبه نفسه فرضاً على أشعاره، فلامس الوطن في كلماته، وتحدث عن العروبة والمجد، ونادى «شعب الإمارات» قائلاً:

 

«يا شعب الإمارات يا أهلي ويا أملي..

أنا بكم ولكم ما سانحٌ سنحا

فأنتم الأصل والدنيا لكم تبع..

ومن حماكم عبير الطيب قد نفحا»

إيجابية

ولأنه عنوان للإيجابية، فقد اختتمت ومضاته بـ«طاقة الإيجاب»، وفيها يحث القارئ على العمل والطاقة، وبفضلهما يحدث التغير للأفضل، فبداخل كل منا مارد هو العزم، ولولا هذا المارد الإيجابي لما تغير الكون، وكما قال:

 

«طبع هذا الكون ما يحب السكون..

لا ولا ينظر لمن خلى وراه»

أمنيات

أمنيات محمد بن راشد كانت أكبر من مجرد أمنيات شخصية، فالوحدة كانت همّه الأكبر، وهو ما عبر عنه في قصيدته «أمنياتي»، وقال فيها:

 

«أمنياتي يا مجيب الأمنياتي

أن توحدنا على الراي الخطوب

نحن كنا أمة صارت شتاتي

وحقنا من ضعفنا اليوم امغصوب

نحن شعب واحد رغم العداتي

كيف اصبحنا من الفرقة شعوب

لا تقول عزنا والمجد فاتي

وان شمس العز مالت للغروب

في توحدنا تكون المعجزاتي

يوم عن خلف وعن فرقه نتوب»

Ⅶ جمع بين العربية والإنجليزية فتفوق الحس على عوائق اللغة

Ⅶ قصائد مختارة تغنّت بالحب والنصر والتحديات والإنجازات الإنسانية

Ⅶ استعان في بداياته بالأسماء المستعارة فكان النصر للكلمة والموهبة

حفاوة

أسماء مستعارة

بدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، نظم الشعر في سن مبكرة باستخدام أسماء مستعارة مثل «شروع» و«سليط»، وذلك كي تجد أعماله طريقها إلى الجمهور لجدارتها، وليس لاسمه ومكانته باعتباره ابن حاكم دبي ذاك الوقت.

ويشتهر محمد بن راشد بنظمه الشعر النبطي والفصيح، وكثيراً ما يتغنى في أشعاره بشعب الإمارات والإنجازات الوطنية، وتلقى أشعاره حفاوة كبيرة بين الإماراتيين، وتصل أصداؤها إلى أبعد من حدود الدولة.

سلاسة

موهبة شعرية مبكرة

تميزت موهبة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي،رعاه الله، الشعرية، بالطلاقة والفطرة السليمة، تغذيها أصوله البدوية التي تجلت بوضوح في نظمه الشعر النبطي، ومن امتلك ناصية هذا الشعر تمتع بسرعة البديهة والتلقائية.

وبدأ محمد بن راشد نظم هذا النوع من الشعر وهو لايزال في المدرسة، وامتازت قصائده بسلاسة اللفظ وعمق المعنى وتنوع المواضيع التي تعكس حياة البداوة وقيمتها.

ويعتبر هذا النوع من الشعر احد اهم مصادر تقصي الأحداث التاريخية في المنطقة وهو مصدر شفهي تناقلته الاجيال بحفظها له منذ مئات السنين.

ويعد المتنبي وأبو تمام من أحب شعراء الشعر العربي التقليدي إلى قلب سموه .

إلى روح زايد

ضحّيت بالعمر إلنا تَصرِفِه تصريف

لو شفْت طول التعَبْ ضَرّك ولو سَمّك

حتى الحسود الذي متعوِّد التزييف

مِدَحْك لأن ما لقى بك شيٍ إيذِمّك

حميت شعبك وكنت إلنا ربيع ورِيف

خليتنا وسِرْت كيف الحين ما نهِمّك

وين الذي كان للتوحيد والتوليف

وتلفّت الشَعْب ينشد خُبْرِك وعِلْمِك

ياوين زايد ومن للضيف.. من للسيف

راس الرجال الكبار وفاتني ضَمّك

يارب أسألك عَنّا الصَبْر والتخفيف

وأن تَسكِنه في الجنان ويشمله حِلْمِك

شكوى الأم

جتْ تشتكِي لي ومن ولدْها حزينه

مجْروحة الخاطرْ ظلمها ولدْها

اتقْول ربّيته وكنْت الأمينه

من عِقب ابوه اللي المنيّه وردْها

واسمَع لها صوتٍ تزايدْ حنينه

يوم إنّه من بيته تمادَى وطردْها

وناديت اللي يسْحَبه من يدينهْ

وانا سنَدْ للي ضعافٍ سندْها

وقطعْ حديثي صوتها مستعينه

وشبه تسوي وعاذلتني وحدْها

امّه أنا يا سيدي لا تدينَه

والامّ ما تقْسى ع فلذة كبدْها

يا كبرْ قلب الأمّ ما به ضغينه

عفْت بقدره وسمحَتْ من جحدْها

لبنان

حُبُّ لبنانَ في دمي يتجدّدْ

موطنُ الحسنِ والجمالِ المُخلَّدْ

قالَ من أنتَ حينَ وافاهُ صوتي

عربيّْ أنا وأُدعَى مُحمّدْ

جئتهُ مولَهاً وفي القلبِ منهُ

ذكرياتٌ مذ الصِّبا تتجدَّدْ

أرزُهُ الخالدُ التليدُ شبيهي

والأساطير صدرُها يتنهّدْ

قدْ حكتْ لي بأنّهم من بلادي

ثمّ قامت تتلو الحديثَ المؤكّدْ

ودليلي حبّي لها وفتوني

ببلادٍ للحُسنِ والفنِّ معبدْ