لا تغيب حكايا الماضي أو يهجع عبق صورها، وهي تتجلى في عمق لوحات ورسومات يصوغها الفنان ورجل الأعمال، فاروق عبد الرحيم ضيائي العوضي، جاذبة مُباشرة، تعانق المكان فتوحد بين مفرداته التراثية وقصصه العصرية، ليقِلنا معها على مركب عامر بصنوف الجمال الذي أوقدت «دانة الدنيا» جذوة إبداعاته في دواخله، كما يوضح.. فألهمته توظيف موهبته الفنية، في خدمة قضايا مجتمعه وفي أعماله.

سمات كثيرة ومحطات حبلى بالتحديات والنجاحات، ضمن مسيرة حياة فاروق العوضي، نقرأ ونميز في دفاترها، ركيزة أساس بقيت ثابتة، منذ البدايات، فحواها أن ميله إلى الفن وتمسكه به ضاهى حبه لعمله في تجارة الأقمشة، واقترن به. ويسرد العوضي في هذا الخصوص، مجموعة تفاصيل:

«.. ربما أن لوحاتي هي المعين الأجدر لي، لأقدر أن أوفّي عناوين الجمال الراسخة في دبي، منذ زمن بعيد، حقها. فـ (دانة الدنيا) واحة خير وتسامح وحب شكلت وصقلت جذوة الإبداع والتحدي في دواخلنا. وأنا تربيت في أجوائها ومناخاتها تلك. وتشربت عشق النجاح وروعة الفن من ينابيعها الفياضة.

وبطبيعة الحال، لا تفارقني ذكريات المكان، بثيماته وناسه وعطره.. فهذا المخزون هو ما شحذ موهبتي الفنية وقوّى رغبتي الدائمة في رسوماتي ولوحاتي التي تنشغل، حالياً، في عكس الواقع المعاش. وكذا في توثيق التراث ومعالجة كافة القضايا الحياتية التي تواجهنا».

ويضيف العوضي: «مؤكد أن للبدايات وحكاية الانطلاقة في حياتي، تأثيراً كبيراً، كوّن وحدد خطوط مساراتي. فالفن والعمل كانا ولا يزالان لدي، صنوين.

إذ إنني أتخصص في الأعمال بحقل تجارة الأقمشة، وأنا مذ كنت طفلاً أعمل في دكان أبي في بر دبي، سحرني تصميم الرسوم على الأقمشة، فجربت وخضت به.. وأبدعت فيه، أخيراً. وكانت موهبتي بذا، أساساً لدعم أعمالي، ونافذة لسكب همومي وحكاياتي وأفكاري وما يشغلني».

قصة البدايات

« فتى مأخوذ بسحر الفن والتصميم.. يجلس متأملاً زوار أبيه في الدكان.. يستمع إلى أحاديثهم وطلباتهم عن الأقمشة والرسومات التي ستتجسد على سطحها، بينما يجذب بيديه حبلاً يحرك مروحة قماشية (خرجة) منصوبة في السقف، وظيفتها التخفيف من حرارة الطقس في المكان». هكذا يصف فاروق العوضي قصة خطواته ومشاهد حياته الأولى.

ويتابع: «البداية كانت تقريباً بين عامي 1956 أو 1957. وكنت أسكن في السبخة بدبي في (بيت بدري)، وكان عمري أنها 13 أو 14 عاماً. كنت أساعد والدي، تاجر الأقمشة، في أعماله ضمن دكانه. وفي تلك المرحلة، شرعت عيناي تتفتحان بنهم، على سحر الرسم والتصاميم على القماش.. إذ كنت أرقب ذلك جيداً، بينما أؤدي أشغالي التقليدية في الدكان».

ويشرح المراحل اللاحقة: «ركزت اهتمامي، عقبها، على الأعمال وتجارة الأقمشة، لكن حرصت على عدم انقطاعي عن الفن والرسم في أثنائها. وكان أن وظفت مهاراتي الفنية في عملي.

إذ، وكوننا، بحكم طبيعة أشغالنا، نستورد أقمشة من الخارج: اليابان وغيرها.. وأيضاً كون الزبائن يريدون تصاميم (ديزاينات) محددة توضع عليها، لم أتردد في أن أقدم رسومات وتصاميم للطلبيات أنجزها، وأضع تصورها وفقاً لفهمي طبيعة أذواق الناس واحتياجاتهم.. وترافق هذا مع شروعي في إنجاز لوحات فنية عديدة، وأيضاً رسومات كاريكاتير ورسومات متنوعة».

مجالات وإطلالات كثيرة، تدلف إليها وأنت تتنقل بين اللوحات في مجلس فاروق العوضي. فهنا أعمال فنية مضمونها التراث.. وتلك العصرية المشغولة بهموم الناس وما يعايشونه.. وهناك غيرها من النوع الجمالي البحت، مركونة ومحفوظة، بجانبها لوحات ورسومات أخرى هادفة تمس قضايا عصرية متباينة عن: المجتمع والثقافة والفكر.. وسواها.

ويشرح العوضي توجهاته وميوله في المجال: «يشكل الرسم والفن عموماً، متنفسي وعالمي الجمالي الذي أرفه وأخفف به عن نفسي. كما أنه زادي الذي يعينني في الحياة والأشغال. أصبحت أسكنه ويسكنني.

 وأنا لا أقتصر على حقل واحد فيه. إذ تشدني سياقاته كافة. ففي الفنون الجميلة أغوص معه. وعلى مركبه أبحر في قضايا التراث. وأنا مؤمن أن الفن رسالة، وعليه أن يؤدي دوراً مجتمعياً إيجابياً محرضاً على الجمال، وفعل الخير والمسلك القويم. وهكذا أوجه وأبني رؤية أعمالي. وتقرأ في غالبيتها، بجلاء، دعوات إلى حماية بيئتنا وصون مجتمعنا».

بطاقة

فاروق عبد الرحيم ضيائي العوضي. فنان تشكيلي ورجل أعمال، من دبي. ولد في عام 1946. يهتم في لوحاته بتجسيد قضايا الناس وعكس جوانب التراث وجمالياته. استضافت ندوة الثقافة والفنون في دبي معرضين له، سابقاً. كما أسهم في فنونه، في مبادرات ومشروعات خيرية وتوعوية مجتمعية عديدة. ولديه أكثر من ألف لوحة فنية متنوعة في موضوعاتها.