بكثير من الفضول وحب المعرفة، حضر، أول من أمس، عدد كبير من الجمهور جلسة الحوار الأولى من سلسلة حوارات «فن الصوت» التي ينظمها مركز «تشكيل» في مقره بند الشبا، ليلقي كل من الفنانين البريطانيين فاري برادلي وكريس ويفر المقيمين بالإمارات والمشاركين في برنامج «الفنان المقيم»، الضوء على تاريخ تجارب هذا الفن في بداية الأربعينيات من القرن الماضي، عبر عرض مجموعة من الأفلام، من خلال الفن المفاهيمي والتركيبي.

ضجيج ممتلئ

في البداية، تناهت إلى الأسماع أصوات التجارب الخاصة بالفنان الأميركي جون كيدج (1912 – 1992)، المختص بما يقارب من «تعويم الموسيقى». زقزقة عصافير اختلطت بصخب مجموعة من الناس وأبواق سيارات، ولاحقاً أصوات هدم مستودع، وتارة انهيار جدران مخزن، وأخرى تهاوي أعمدة المعدن وأصوات ارتطام جميعها بالأرض. ومنها إلى كيدج وتجاربه على أوتار البيانو، وتعديل دورانها لتخرج أصواتاً معدنية آلية، أو ما يشبه الضرب على لوح خشبي أو سطح معدني، ومغنين استبدلوا الكلمات بأصوات تشابه ضجيج الشارع، وهناك المزيد. وقد اعتبر بعض النقاد، كيدج من الشخصيات الأميركية الأكثر تأثيراً في القرن العشرين.

فوضى الموسيقى

مع مضي الوقت، بدأت التساؤلات تتزاحم في رأس عدد من الحاضرين، هل يرفضون هذا الفن، أو ما يُسمى بالفن؟ أم عليهم إجراء المزيد من البحوث الشخصية قبل رفضه؟ واحتدم الصراع الداخلي بين الفكر والروح، ليصل التوتر حده الأقصى بعد مضي يوم مضن في العمل.

وفجأة، انبثق في ذهن أحدهم، اسم الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا ونظريته «التفكيك» ما بعد بنيوية النص. هل تنطبق نظرية «التفكيك» بصورة إيجابية على ما يسمعه عن هذا النهج من التجارب الصوتية التي جعلت من البيانو أداة أخرى لتعيد بناء الموسيقى بمفهوم جديد!

هذا التساؤل قاد لتساؤل أكثر خطورة، هل من الممكن أن تتكرر تجارب التاريخ بأن يسعى من يعشق الفن ويتوق للنجومية ولا يمتلك الموهبة، إلى ابتكار تيار يهدم من خلاله إبداعات الفن ليبرر وجوده في ساحته، كما حصل في التشكيل، ومن ركب موجة الفن التجريدي والتركيبي والمفاهيمي دون امتلاكه لأسس الفن الأولية بحد أدنى، فكيف بالموسيقى وغيرها من حقول الفنون؟

دلالات صوتية

فاري وويفر، المشارك في برنامــج «الفنان المقيم»، تنــوعت إجاباتــه حول السؤال الذي يقــول ما اذا كان هذا النوع من فنـــون الصوت، يتـــم قبولـــه مـــن الآخريــن أو يتــم رفضــه.

وقال فاري إن هذه التجارب رفدت الموسيقى بالعديد من المؤثرات الصوتية الجديدة، ذات الدلالات المتعددة، كالقواقع المعبأة بالماء التي تصدر أصواتاً جميلة بعد تضخيم صوتها، أو تعديل أوتار البيانو ليحصل على نصف نوته أو نغمة مختلفة.

وأشار ويفر إلى أن هذه التجارب الصوتية، تسعى إلى مقاربة الواقع بعيداً عن قواعد وأصول تقاليد الموسيقى الصارمة في برجها العاجي.