تعد الأمسيات الأدبية المتنوعة، جزءا من الحراك الثقافي الهادف لنشر الثقافة بمفهومها العام والمتخصص، من خلال تواصل المبدعين مع الجمهور. فالحوار الناتج عن هذا التواصل يساهم في تطور الوعي والنهوض بالحركة الثقافية.

ولكن ما يحدث على أرض الواقع، ربما لا يكون بالمستوى المثالي، للوصول إلى ما يطمح إليه القائمون على هذه المؤسسات المنظمة من جهة، أو إلى ما يحقق شغف الجمهور الذي يحرص على الانتقائية في حضور مثل هذه الفعاليات، وهو ما ينتج عنه قلة الحضور، أو يحتمل ألا يصل إلى مستوى طموح الكاتب من جهة أخرى.

«البيان» استطلعت آراء عدد من المبدعين، حول الأسباب التي تجعلهم يشاركون في الأمسيات الثقافية، راصدة رأيهم بخصوص تفاعل الجمهور، واحتكار الجهات الثقافية لبعض الأسماء التي تتكرر كثيرا خلال موسم ثقافي واحد.

تواصل

«أطمح إلى التواصل المباشر مع المعنيين بالشأن الثقافي وعامة الجمهور». هذا ما أوضحه الشاعر والباحث محمد نورالدين حول الأسباب التي تدفعه للمشاركة بالأمسيات الثقافية. وقال: «أسعى لفحص الذوق العام ونبض الشارع الأدبي، بصفتي ضيفا أو مقدما أو منظما أو أحد الحاضرين».

وتابع: «لا أجد فرقا شاسعا بين جميع الصفات كوني أهدف الى الاستفادة والإفادة، وأتعامل مع الأمسيات الثقافية كأسلوب حياة وأحرص على حضور أمسية واحدة على الأقل أسبوعيا». وأشار إلى أن عددا قليلا يتخذ حضور الأمسيات أسلوب حياة، وهو ما يجعل تصنيف هؤلاء المبدعين، أمرا صعبا.

وأضاف: «يبقى المحرك الرئيس للحضور هو اهتمام كل شخص منهم بالموضوع أو المحاضر أو المكان الذي يضم الأمسية أو تأثره بالدعاية. إن هذه العوامل هي الرئيسة المؤثرة بصورة مباشرة، ومن خلالها نستطيع أن نفهم ثقافة كل حاضر من الجمهور على حدة، ونستوعب سبب تباين عدد الحضور في الأمسيات».

وقال في السياق، أيضا: «هناك بعض الأماسي التي تقام بصفة دورية ويجمعها ألفة الحاضرين، لأنها تدار كالصالونات الأدبية من أدباء على طراز نادر كصالون الشاعر محمد أحمد السويدي، وجماعة الأدب التي يديرها الشاعر سالم أبو جمهور في اتحاد الكتاب.. هذه الأمسيات نماذج أتمنى أن تتكرر في كل مكان يوجد فيه مثقف على هذا المستوى الاستثنائي، يستطيع تقريب الآراء ومنهجة الفكر لاكتساب الفائدة».

احتكار المنظمين

ورأى نور الدين أن تكرار واحتكار بعض الأسماء للامسيات، سببه المنظمون. وقال: «السبب في ذلك عدم جرأتهم على التجريب واختيار الجديد من الأسماء، لضمان نجاح أمسياتهم.

كما ان الأسماء الجديدة لم تعرف التسويق لنفسها باستخدام الفضاء المفتوح في عصر المعلوماتية لإثبات قدراتها الفنية لاعتلاء المنابر الثقافية». وتابع: «أظن أن المسافة تضيق بين الاثنين وسيصلون إلى نقطة التقاء بعد حين. ولكن الأمر يحتاج إلى التأني والجهد.

ومن تجربتي الشخصية، فعادة ما أحاول اللجوء إلى تأليف الكتب وكتابة المقالات في المجلات، لأعوض ذلك ولأصل إلى الجمهور بطريقة أخرى، بدلا من انتظار سنين طويلة دون الحصول على فرصة الظهور في الأمسيات».

وأشار نورالدين، في النهاية، إلى أن إحياء هذه الأمسيات والمشاركة فيها، من الامور المهمة والاساسية لديه، لأنها تحافظ على هوية المجتمع.

التواصل والحوار

ما يدفع القاصة مريم الساعدي، الى المشاركة في الأمسيات هو، كما قالت، التواصل مع المهتمين، والحوار مع أشخاص يهمهم ما تفعله بالمجال نفسه، وتبادل الأفكار وطرح الآراء. وأضافت: «حين تكون الأمسية حيوية تدار بشكل ذكي، تكون فعالية مثيرة للفكر. أحيانا يتحقق هذا، وأحيانا تبدو وكأنها (كمن يؤذن في مالطا)».

وحول تفاعل الجمهور مع هكذا فعاليات أوضحت الساعدي، أنه في الواقع، فإن الحضور غالبا قليل، إن لم نقل نادرا، ويحصل أحيانا ألا يحضر أحد سوى منظمي الأمسية فقط.

وفسرت ظاهرة احتكار وتكرار بعض الأسماء، بأنها تتعلق بالجهات التي تنظم اللقاءات. وشرحت: «على تلك الجهات أن تكون أكثر نشاطا في البحث عن أسماء جديدة وتقديمها، لكن غالبا ما يلجأ المنظمون الى من يعرفونه لسهولة التواصل. انه مجرد كسل ثقافي».

وأضافت: «يُلام الكاتب أيضا الذي يقبل استهلاك نفسه في كثرة الظهور، هذا يقتل بتلات الابداع الجديدة في داخله (إن كانت لا تزال تظهر). وعليه أن يحتفظ بمساحته الخاصة ليجد نفسه. وألفت هنا إلى أن بعض الكُتّاب يجاملون ويخجلون من الرفض. وبعضهم فقط ينتشون بالأضواء ويعشقونها. ويغفلون عن أن كثرة الضوء ربما تسبب العمى».

حضور وتفاعل

«أُنظم الفعاليات أكثر ما أشارك بها». هذا ما أوضحه جمال الشحي، الأمين العام لجائزة الإمارات للرواية، مدير دار كتّاب للنشر. وتابع: «هدفنا الأساسي عند تنظيم أية فعالية، هو أن يكون للكاتب حضوره وتفاعله مع الجمهور، وهو ما يساعده على تسويق وتوزيع منتجه الأدبي.

ويمكن أن نجذب الجمهور عندما نعرف كيف نخاطبه باللغة التي يفهمها وتثيره للحضور. ويعتمد هذا على شخصية وعنوان الكاتب، إلى جانب الاهتمام بوضع عنوان للأمسية التي تجذب الجمهور، والحرص على إيجاد أفكار وأماكن مبتكرة للحضور».

ورأى الشحي أن تكرار بعض الأسماء في الأمسيات الثقافية، هو إحدى الآفات التي نلاقيها وبكثرة، لأنه لا بد لنا من إعطاء فرص للأدباء، من دون استثناء، مبينا أن عصر الشللية الثقافية انتهى.

وختم الشحي: «أشارك أحيانا في أمسيات ثقافية وأهدف أن أصل بفكرتي إلى الجمهور، وأحضر جيدا كي أكون مقنعا في كلامي للناس، وإن لم أكن مقنعا اليوم لن أكون غدا». وأكد على أنه لا بد أن يكون مستعدا للجمهور.

وقال نحن نتحدث ونكتب للآخرين الذين يمتلكون الحق في كل شيء، لذلك يجب أن يتصف الحديث معهم بالجرأة، فالجهمور ربما تروق له بعض الأمور التي لا يراها آخرون، ولذلك فعندما يتحدث يجب أن نعطيه الفرصة لقول ما يريد.

اعتذار

يعتذر محمد نور الدين عن المشاركة في الأمسيات حين لا يكون متمكنا مما يريد تقديمه، ذلك احتراما للجمهور الذي يبحث عن الفائدة وحفاظا على ما أنجزه سابقا. كما تعتذر مريم الساعدي إذا وجدت بأنها لا تمتلك جديدا تضيفه، أو لن تضيف لها الأمسية، بدورها، أي جديد.