رحل الفنان التشكيلي مصطفى حسين، وفي جعبته ما يزيد على خمسين عاماً من الرسم الكاريكاتيري الاجتماعي والسياسي، أهلته للوقوف في مقدمة فناني الكاركاتير مصرياً وعربياً، حيث تفرد بجماليات خطوطه وحسه الإنساني والشعبي الأصيل الذي ينتمي إلى حي من أعرق أحياء القاهرة.
وأكثرها تميزاً وتفرداً في خصوصيته، وارتباطاً بكبار الفنانين والكتاب وبشخصية «ابن البلد» الشهم والكريم والعاشق لمصر، واحتضاناً للتاريخ الإسلامي والعربي هو حي الحسين، لذا، فإن ريشته هي ريشة مصر الأصالة والإرادة الشعبية والسماحة.
ريشة فنان
ريشة عبرت عن طموحات المصريين في العدالة الاجتماعية والحرية والعيش الكريم، وانتقدت ما يصيبهم من معاناة بسبب بطش الدكتاتورية والقمع والفساد والإهمال والتسيب، لم تتخل يوماً واحداً، منذ انطلقت أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، ترسم في الفضاء الصحافي، عن الانتصار لهم ولطموحاتهم وأحلامهم، فخاضت معارك ضارية لإنصافهم والذود عنهم في مواجهة هموم ومشكلات البطش.
والقمع والفساد والإهمال، فلم يفلت من سخريتها اللاذعة أحياناً، والمريرة أحياناً أخرى، رئيس أو رئيس وزراء أو وزير، كما كانت عيناً موجهة وناقدة لما يطرأ من أزمات وظواهر اجتماعية وإنسانية وسياسية واقتصادية تضر بأصالة النسيج الاجتماعي أو تعبث به، أو تطاله من قوى خارجية تتحكم بسطوتها الدولية على مصير المنطقة العربية، ومن بينها مصر.
حس السخرية
أظهر مصطفى حسين، الذي يمثل الجيل الثاني لرسامي الكاركاتير في مصر والعالم العربي، حساً عالياً راقياً بالرأي العام وما يعتمل داخله، وعياً فنياً وثقافياً بعلاقة الرأي العام بخطوط فن الكاريكاتير الذي يعتمد أساساً على حس السخرية والتناقض والنقد التهكمي، كما أن نشأته وتعليمه في ظل ثورة 23 يوليو 1952، ومعايشته لها وللفترة الناصرية، قربته كثيراً من الأفكار السياسية والاجتماعية، فعندما بدأ العمل بمجلة الاثنين، رسم غلافاً لها عبر فيه عن القوة الأميركية والسوفييتية التي كانت تتقاسم المنطقة العربية.
وقد نندهش حين نفاجأ أنه رسم كاريكاتيرياً بجريدة أخبار اليوم في عام 1961، يؤكد من خلاله أن الجماعة الإخوانية والأميركان «إخوان».. حيث يقف رجل يلبس قبعة طويلة كتب عليها «الاستعمار»، وإلى جانبه آخر يلبس قبعة أقل في الطول رسم عليها نجمة داوود، وفي مقابلهما يقف «سيد قطب» يمد يده بالسلام، وقد ارتدى بذلة، ويسقط من وسطه مسدس، وتحتهما كتب حسين «كلنا إخوان».
هذا الرسم لم يكن بعيداً عن رسمه المنشور في 2012، أثناء زيارة جون ماكين عضو في مجلس شيوخ قبيل الانتخابات الرئاسية، حيث رسم القيادي الإخواني خيرت الشاطر وقد ظهر شطر من وجهه، فيما يغطي ماسك لوجه جون ماكين الشطر الآخر، في إشارة إلى أن نائب المرشد العام يتوافق مع ماكين المعروف بكراهيته لمصر وتآمره عليها، وأن الإخوان والأميركان وجهان لعملة واحدة.
مهمة الكاريكاتير
وانطلاقاً من أن مهمة الكاريكاتير ليست في إضحاك الناس على الناس، ولكن وضع النقاط على الحروف الكبيرة من أجل المصلحة العامة، أبدع «حسين» العديد من الشخصيات الكاريكاتيرية التي عبر من خلالها عن أوجاع وآلام ومشكلات وأزمات المصريين، بعضها بالاشتراك مع الكاتب الساخر أحمد رجب، حيث ربطتهما علاقة قوية بدأت عام 1974، منها حنطورة، والمنافق، والانتهازي «كمبورة».
والبيروقراطي «عبد الروتين»، والمشتاق لكرسي الوزارة «عبده مشتاق»، والحقود «قاسم السماوي»، والذي يعيش في برج عاجي «عزيز بك الأليط»، و«فلاح كفر الهنادوة»، التي ظلت تطل كل أسبوع عبر أخبار اليوم، لتخاطب رئيس الوزراء أو رئيس مجلس الشعب، وتنقل له رأي المواطن البسيط تجاه أهم القضايا المثارة، وقد قال رجب إنه استوحى الشخصية من فلاح بسيط قابله في موقف أتوبيس، أما باب «الحب هو» غير الموقع، فقد قدماه معاً على مدار 12 عاماً.
كان موقف حسين من ثورة 25 يناير مهزوزاً ومتردداً ومنحازاً في الكثير من الأحيان لنظام مبارك، وحين انقسم الثوار وتفرقوا، انحاز حسين إلى الشعب المصري، ورصد الانقسام الحاد الذي أصاب المجتمع المصري، من خلال بائعي بطاطا يقفان في مواجهة بعضهما، وأحدهما يقول للآخر «إزاي تيجي في حتتنا يا رجعي يا متخلف.. يا أصولي يا متعفن»، ويرد الآخر «إخرس يا ليبرالي يا انتهازي يا علماني يا كافر».
وكان قمة تعبيره في كاركاتير «اللي بيحصل فيك يا مصر» شخصان أحدهما يمسك جريدة ويرفع إصبعه ويقول، فيما الآخر ينصت له «كلنا نعرف أن فيه حيوانات بتأكل ولادها، لكن عمرك شفت حيوانات تأكل أمها!!!».
أما كاريكاتيره الجميل، والذي أثار ردود فعل واسعة، ودفع جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي لشن حملة شعواء ضده، فذلك الذي يظهر فيه مواطن يدفع كفيه مفزوعاً، بينما يستعد للهرب، في وجه شيخ يلبس جلباباً وشالاً أبيضين، وذقنه تقد على كرشه لتغطي جسده، ويقول المواطن «انصرف.. انصرف.. انصرييييف.. الله لا إله إلا هو الحي القيوم».
وقد تبنى «حسين» دعم ثورة 30 يونيو وخريطة الطريق التي أنجزها الجيش مع القوى المدنية، والتي بمقتضاها تم عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، وفضح العمليات الإرهابية، ساخراً من نداءات المصالحة وعدم إقصاء للإرهابيين.
حيث رسم أحد الإرهابيين يطعن مواطناً بسكين، فيما يقول «ما تزعقش.. بعد ما أخلص حاصالحك واعتذر لك»، ورسم شيخ الفتنة يوسف القرضاوي وهو يبث سمومه كالثعبان، وصور الجماعة الإخوانية بالورم الخبيث في الجسد المصري.
بطاقة
حصل مصطفى حسين على بكالوريوس كلية الفنون الجميلة قسم تصوير 1959، وتتلمذ فى مدرسة دار الهلال ودار التحرير ثم أخبار اليوم، حيث قدم رسوماً لعدد كبير من الصحف والمجلات، منها الاثنين والأخبار، حواء، المصور، الكواكب، سمير، المساء، اشترك فى عدة معارض محلية ودولية.
وشغل العديد من المواقع، منها رئيس الجمعية المصرية للكاريكاتير، ورئيس تحرير مجلة كاريكاتير، إضافة إلى اختياره نقيباً للفنانين التشكيليين، وقد حصل على العديد من الجوائز والأوسمة، كان من بينها نوط الامتياز من الدرجة الأولى، وجائزة الدولة التقديرية، كما تم تكريمه من العديد من جامعات العالم.


