بعد أن كتبت مقالة عن المرحوم الأديب أحمد المطروشي نشرت بصحيفة «البيان» جاءتني على أثرها اتصالات كثيرة ذلك اليوم من إخوة وأصدقاء أكن لهم الاحترام وأقدر رأيهم، شكروني على ما كتبت، وعاتبوني على عدم مواصلة إبراز مثل هذه الشخصيات التي منها كثير بالإمارات.
بعد ذلك عزمت على مواصلة الكتابة فعدت إلى مشروع قديم جديد كنت قد بدأت الكتابة فيه، هو مشروع موسوعة شعراء الإمارات، الذي بدأته منذ فترة تعود لعام 1990 للتعريف بكل من قال شعراً، حتى أولئك الذين لا يوجد لهم سوى نص واحد، وقد صدرت الموسوعة بحمد الله.
بين الأوراق تذكرت ما نقلته مشافهة من الأديب الشاعر عيسى بالرهيف من قصائد للشاعر خليفة التاجر، وهي من محفوظات بالرهيف. وها أنا اليوم أحاول أن أقدم هذا الشاعر.
خليفة بن محمد التاجر أو «التوير» حسبما كان يطلق على العائلة تصغيراً لكمة التاجر «التويجر» هو من مواليد دبي في ثلاثينيات القرن العشرين أي في عام 1924 كما هو مدون بجواز سفره، بدأ تعليمه مثل رفاقه بالمدرسة «الأحمدية»، فتلقى علوم اللغة والدين والحساب، وشيئاً من الأدب والمعارف العامة، وسافر مثل غيره عندما ضاقت ظروف العيش هنا إلى الكويت وعمل بها فترة من الزمن، ثم عاد مع من عاد واستقر في بلده متجهاً إلى التجارة.
تفاصيل حياة
لم أكن أعرف عن حياته العامة الشيء الكثير، فقد كان محدود العلاقات لا يخرج إلى التجمعات العامة، ورغم أن عائلة التوير كانت تسكن معنا في الحي ذاته عندما كنت صغيراً، إلا أنني لم أتعرف عليه لا صغيراً ولا كبيراً.
كنت أقابله في الشارع فأسلم عليه سلام المارة، أو عندما أمر أمام متجره بشارع سوق مرشد ذلك الدكان، الذي كان مخصصاً لبيع السجاد، وسألت الكثيرين عنه وعن أخباره علمت أنه مريض بمنزله، لا يكاد يعرف الناس، فقد أصيب بمرض أفقده الوعي والحركة، فهو رهين سريره منذ عام 2008.
رفاقه لا يعرفون الكثير عن أسرار حياته، ويعيش وحيداً رغم وجود أفراد الأسرة التي ينتمي إليها من أخوات وأولاد أخ فهو لم يتزوج.
لولا الشاعر عيسى بالرهيف الذي يحفظ بعض هذه النماذج من شعره، ويعرف المناسبات التي قيلت فيها لذهب هذا الإبداع أدراج الرياح.
وسألت معاصريه وبعض أفراد أسرته عن سيرته الشخصية، فأفادوا جميعهم بأنهم لا يعرفون تفاصيل حياته، وأرشدوني إلى زميل له رافقه طويلاً هو محمد عبد الكريم، وهو ابن أسرة كانت تسكن بجوار بيتنا القديم بحي الشمال بديرة، وبلقائه أبان لي عن جوانب من حياة الشاعر، فذكر أنه لما سافر إلى الكويت للعمل التحق بشركة من الشركات هناك بوظيفة عامل مساعد، ثم تمت ترقيته ليكون جزاراً بالشركة ومسؤولاً عن الذبح وتقطيع اللحوم.
دروب المهنة
وبعدها عمل تاجراً متنقلاً «شريطي» حسب التسمية المحلية أو ما يدعى «تاجر شنطة» ينقل بضائع بين دبي والكويت ليبيع ما يتوفر في إحداهما على المستهلكين في الأخرى، ثم سمع عن ارتفاع أسعار الأراضي وأن تجارتها رابحة، ففكر في القيام بهذا العمل في دبي، فأخذ يشتري أراضي وبيوتاً ويبيعها كلما كان هناك هامش ربح مجز.
ويذكر محمد عبد الكريم أنه رافقه في رحلات تجارية إلى الهند، حيث كان يقوم بالمهمة نفسها التي مارسها بين دبي والكويت، وكانا شريكين في ذلك، وفي عام 1965 التحق محمد عبد الكريم بشركة الاتصالات موظفاً.
وقد عرض عليه التاجر الاستقالة مراراً ليقوما بفتح محل للتجارة في بضائع مختلفة، ورد عليه أنه لو استقال فسيتجه للعمل في المقاولات، وقد تم ذلك فبعد سبع سنوات استقال محمد وأسسا معاً شركة للمقاولات، ثم انفصلا وكانت لكل واحد منهما شركته الخاصة.
ويؤكد محمد عبد الكريم أن التاجر رغم أن علاقاته كانت محدودة، وليس له حضوره الاجتماعي العام، فإن له رفاقاً مقربين يخرج معهم في رحلات خلوية، وكان طيب المعشر، ودوداً ظريفاً، كثيرا ما يردد على مسامعهم الأشعار سواء ما كان من شعره أو مما هو مخزون بحافظته التي تختزن الكثير من الشعر العربي.
حياة ثقافية
هذا عن الجانب العملي والاجتماعي من حياة الشاعر أما حياته الثقافية فيحدثنا ياسين سليمان مدير مؤسسة التاجر للمقاولات، حيث علمت مؤخراً أن شركة المقاولات التي تحمل اسمه «مؤسسة خليفة التاجر للمقاولات» لا تزال تعمل، حيث يقول، إن التاجر كان يكتب أشعاره في قصاصات صغيرة يضعها تحت الزجاج الذي فوق مكتبه.
وكان يطلب أحياناً من بعض الشباب ممن لهم خط حسن نسخ قصائده وكتابتها بخطوطهم، كما يذكر أن زميلاً لهم في العمل كان يكتب الأشعار أحياناً على الآلة الكاتبة، وبلقاء هذا الزميل وهو الأستاذ عبد الحميد أبو زيد من سوريا حصلت على بعض المعلومات عن هذه التجربة الهامة، حيث يقول:
كان التاجر صديقاً لأخي المقيم في سويسرا، الذي كان يرسل إليه بالبطانيات والألحفة ليبيعها في متجره بدبي.
وكنت قد قضيت قرابة سبعة عشر عاماً في بلجيكا، وعدت إلى سوريا فلم أجد الأوضاع آنذاك مساعدة على العيش، ولما أخبرت أخي بذلك قال ما رأيك في أن تذهب إلى دبي، وقام بمخاطبة خليفة التاجر، الذي أعد لي التأشيرة للدخول إلى الإمارات وكان ذلك في عام 1982م، فجئت دبي والتقيت بخليفة وبالجلوس معه وتبادل الحديث ارتاح إلي.
فقد كانت لي محاولات شعرية وأنا في أيام دراستي فربط الشعر بيننا منذ ذلك التاريخ حتى مرضه، كنا نتبادل أبيات الشعر وأكتب له ما يقوله، فهو يكتب القصيدة متى جاءت، وعلى أي ورقة أمامه، أحياناً من دفتر مذكرات أو على مظروف جاءه من شركة من الشركات أو البنوك.
نماذج شعرية
وكان ينظم الشعر الفصيح والنبطي، وإن كان الأكثر في الشعر النبطي، وقد ناولني عبد الحميد مجموعة من هذه القصائد يحتفظ بها في ملف خاص بعد أن قام بتصويرها، ومعها شيء من مختاراته الشعرية التي كان يأخذها من دواوين الشعراء أو ما تنشره الصحف والمجلات.
ويلاحظ أن هذه النماذج في مرحلة لاحقه من حياته، إذ إن النماذج التي ذكرها عيسى بالرهيف تعود إلى عام 1964م، وما عند عبد الحميد أبو زيد يمثل ما قاله الشاعر بعد عام 1982 تاريخ معرفته بأبي زيد.
وهناك فترة تكاد تكون نماذجها ساقطة وهي من بداية قرضه الشعر حتى عام 1964 وأخرى من عام 1964 حتى 1982.
والنماذج التي بين أيدينا تدل على شاعرية الرجل وأن شعره الذي قاله في تلك المرحلة يؤكد أنه عروبي قومي المنزع، وطني الاتجاه، طليعي الفكر، ففي عام 1964 انعقد مؤتمر الأدباء العرب في بغداد.
واستمع عبر الإذاعة إلى قصائد الشعراء فاهتزت قريحته، وكتب قصيدته الموجهة إلى اتحاد الأدباء العرب الذي يعقد مؤتمره هناك مخاطباً بغداد ويناديها فيها أن تحيي تلك الوفود القادمة من البلدان العربية، حيث يقول فيها:
حيي وفودك يا بغداد حييها
واستقبلي ألسنا إنا نحييها
ما راعني مثل هذا اليوم أو سمعت
أذني أناشيد قد صيغت قوافيها
إلى أن يقول:
إليك يا مهرجان الشعر فاقبلها
وإن تعثر شيء من معانيها
محيط وأحداث
وعندما يعلم بما أقدمت عليه المرأة العربية من نزع الحجاب، صرخ يدعو ابنة الخليج للاقتداء بذلك والخروج للعمل والمشاركة، معتبراً أن ذلك قدوة لهن وأن مشاركة المرأة وعملها منذ زمن الصحابة.
جددي يا ابنه الخليج وسعيا
وجدير بكن نزع الحجابا
مزقيه اقتداء بأختك في
أرض الرافدين مزقته فذابا
طلعت نسوة والجمال سلاح
زانهن فوق العلوم آدابا
لك يا بنت قدوة في اشتراك
من قديم وفي زمان الصحابا
تلك هي القصائد التي أخذتها من حافظة السيد عيسى بالرهيف، أما القصائد التي أمدني بها عبد الحميد أبو زيد فمعظمها من شعر النبط، إذ إن القصائد التي بالفصحى عددها خمس قصائد، منها اثنتان قد تكونان من مختاراته؛ إحداهما كما يقول عيسى بالرهيف ليست من شعره، وهي لشاعر عربي زار دبي التي مطلعها:
أغراك مظهر من دبي
وجهلت ما فيها خفي
وكذا الغريب إذا أتى
يطوى عليه الأمر طي
لهفي عليك معلمي
ولو استبنت لكنت حي
والثانية هي التي مطلعها:
أيها الرائي بطرف أمور
ألحاظاً أم حراباً تشهر
ويذكر عيسى بالرهيف الذي يحفظ هذه القصيدة عن ظهر قلب أنها ليست للتاجر، أما الثلاث الأخر فالثابت أنهما له فواحدة قالها مخاطباً عبد الحميد أبو زيد حيث يقول:
أأبدل الله في الدنيا فصورها
من حور جناته حسنا فأهداها
أم البدور عشقن الأرض إذ نزلت
لكي نرى ما رأينا في محياها
أم أنني واهم عبد الحميد بها
أيكفي الشعر أم أغلي هداياها
ويقول في بيت آخر للشاعر:
هذا أبو زيد مغرى في محاسنها
يقول من كل قلبي كنت أهواها
والثانية كما يقول عبد الحميد إن التاجر قالها مخاطباً ابنة عبد الحميد أبو زيد عندما كانت في سوريا مع أمها وأرادت العودة إلى الإمارات، مخاطبة أباها في رسالة بعثت له بها فرد عليها التاجر قائلاً:
قسما باسمك طفلتي أتعذب
وشعور عطفك بالرسالة يلهب
أنا والإمارات الحبيبة كلها
عفواً بأغلى من نحب نرحب
أما القصيدة الثالثة فيؤكد عبد الحميد أنها للتاجر وأنه يخاطبه فيها:
أسرت فؤادك أين منك المهرب
ورمتك من طرف أغر أهيب
حورية بالحسن ربك صاغها
فغدا فؤادك في الحسان مُعذب
تنوع الأغراض
فهذه القصائد نجد أنها متنوعة في الأغراض بين الوجداني والغزلي، ويبدو ولعه بالحب وبالجمال عندما يرى تلك الإنسانة التي فتن بجمالها هو وصاحبه عبد الحميد. ولقد بلغ إعجابه بها أن ظنها من حور العين، حيث يقول:
أأبدل الله في الدنيا فصورها
من حور جناته حسنا فأهداها
أم البدور عشقن الأرض إذ نزلت
لكي نرى ما رأينا في محياها
أم أنني واهم عبد الحميد بها
أيكفي الشعر أم أغلي هداياها
ويصف حاله عندما يراها وما يدور بداخله كي يكسب رضاها وودها:
وأستميت لكي أرضي مشاعرها
أصغي إليها حين تهذي عند شكواها
ويؤكد أنه ليس الوحيد الهائم المغرى بها، بل زميله وصديقه كذلك مفتون بمحاسنها، لما لها من صفات الجمال:
هذا أبو زيد معزى في محاسنها
يقول من كل قلبي كنت أهواها
ويرى أن ذلك الأمر من رب العالمين، الذي وضع حبها في قلبه، ويدعو أن ينال لقاها:
استودع الله في قلبي محبتها
أرجوه يجمعني يوما بلقياها
ونجد الوجدان بارزاً في شعره عندما يخاطب ابنة زميلة التي أرسلت لتقيم مع والدتها، فقد ارتبط بها وأحبها، لأنه لم يتزوج ولم ينجب فقلبه المرهف جعله ينساق إلى تلك الطفلة، كما مر بنا. وإذا ما كان في قصيدته التي أشرنا إليها سلفا يبدي غرضه الوجداني فإنه في قصيدة أخرى يشجع على الحب والعيش في محرابه، وبقدر حبه للحسن والجمال فهو عاشق للكلمة الساحرة:
فسرحت في فلك القوافي شاعراً
تختار ما يحلو وما هو أعذب
فسحرت سمعي فاستساغ حديثكم
إن الحديث حصيلة وتهذب
ووقعت في سحر الكلام وسحره
عجبا أتيت لكل فرد مذهب
إلى أن يقول:
فاخضع لحبك والتمس منه الرضا
إياك من لحن الهوى تتهرب
مهرجان الشباب
حضر الشاعر خليفة التاجر أحد المهرجانات المدرسية التي كانت تقيمها دائرة المعارف بدبي في مرحلة الستينيات الذي تشرف برعاية وحضور المغفور له، بإذن الله، الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، فأعجب بما يقدمه الشباب من برامج وأنشطة خلال المهرجان فخاطب الشيخ قائلاً:
غال بجيلك فالشباب قدوم
إذا تسنى له الصعود عزوم
غال به وأذخر لنفسك فيهم
ما أملوا من غاية ليقوموا
الله يوم المهرجان شهدته
وشهدت هذا الجيل كيف يروم
إلى أن يقول:
هذي مشاعرنا وهذا شعرنا
صرنا إليك نسومه مكتوم
