لم تكتف التكنولوجيا العصرية في تغيير أشكال تواصلنا وأنماط حياتنا، بل طالت مضامين تفكيرنا ومنحى إبداعاتنا وطرق عيشنا وعطائنا، وذلك برز أكثر مع تأثيرات شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

وهو الأمر الذي أدركه وتنبه له مشروع فني إبداعي عالمي جديد: «بلاس 89» (زائدا 89)، انطلق من أميركا، وضع نصب عينيه الاعتناء بالتركيز على مزج وتطوير أشكال الحوار والفنون كل، من موسيقى وشعر ورسم وتصوير وتصميم، لخلق بوتقة صهر وتكوين ثقافية «هوياتية»، هدفها وشاغلها الإنسان بقيمه وحاجياته ومتطلباته. وليكون الفن وفق هذا، مسيرا وقائدا للتكنولوجيا ومطوعا وحشتها ليخدم البشرية بلا أية مخاطر أو إفرازات سلبية.

واللافت في هذا المشروع، أنه يزاوج في ممارساته وأنشطته، بين العمل على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال موقع مستقل، وتنظيم فعاليات متخصصة في مدن عالمية مختلفة، بالتعاون مع هيئات ومؤسسات شتى.

قصة البدايات

هانس أوبريست وسيمون كاستيز، القيمان على المشروع وأصحاب فكرته، هما في الأصل، فنانان مهمومان بالثقافة والتقارب الفكري العالمي، عبر وسائط الشبكة الإلكترونية. وكان أوقد لديهما جذوة الإلهام والفكرة لهذا المشروع،

قصة الفنان الجنوب افريقي، بيغوسي سيكوكوني (33 عاما)، الذي كان قد حاول التواصل مع والده (لم يلتقه يوماً قبلها) باستخدام الإنترنت، لكن صعوبات في المحادثة عبر موقع الـ«فيسبوك»، حالت دون إكماله ذلك. ومن ثم، عندما تخطى تلك العقبات، كان والده قد حذفه من قائمة الأصدقاء وحجب المحادثة معه.

وهو ما دفعه لاحقا إلى أن يركز على إبداع برنامج محادثة يتجاوز مثل تلك التحديات، من خلال اللعب على وتر نفسي، إذ يحادث الأبناء الراغبين، ضمنه، شخصية افتراضية على الموقع المخصص، تظهر لهم على أساس أنها شخصية الأب. وأفلح هذا الموقع بالتالي، في استقطاب العديد من الأفراد على الشبكة، من الدول كل.

معرض دائم

يسعى (بلاس 89): «زائدا 89»، وكما يوضح القيمان عليه، يسعى إلى اتاحة فرص تجمُّع الفنانين من مختلف أرجاء العالم، الذين ولدوا بعد العام 1989: عام من سقوط جدار برلين وعام ظهور الشبكة العالمية. وينضوي في عضويته، حاليا، اكثر من 5 آلاف فنان تجاوبوا معه بفاعلية، وبدأوا الانخراط فيه والتجاوب مع أنشطته وبرامجه، كما شهد مشاركة بضعة مئات من أفراد الجمهور في الورش والبرامج التعليمية التي نظموها.

وكذا بدأ هذا المشروع الفني- الموقع، يستقطب اهتماما مضاعفا، بفضل احتضانه جملة أعمال مضمونها التعبير عن الذات بصيغ إعلامية وثقافية عصرية تمتطي صهوة التكنولوجيا، وتسمح بعرض الهوية الذاتية في إطار إنساني مفتوح بعيد عن التقوقع.

ويمهد المشروع لهذه الرؤى والأهداف عبر برامج متواصلة ومعرض دائم لأعمال الفنانين ومشاركات أفراد الجمهور الراغبين، إذ يحتضن إبداعات فنية بصيغ عصرية مؤثرة تتيح التقارب الفكري والثقافي. كما أنه يسمح للجميع بأن ينالوا العضوية فيه.. وكذا الانخراط بورشه وفعالياته.

تاريخ وبدايات

كانت الخطوات التأسيسية الأولى للمشروع، استهلت في العام الفائت 2013، حين قرر أوبريست وكاستيز، مباشرة الترتيب العملي له، وتكلل الأمر بعقد مؤتمر صحافي في ميونيخ، أعلنا فيه انطلاقته رسميا. ومن ثم بادرت شركات ومؤسسات عديدة، في شتى البلدان، إلى تبني أجندته ودعمه.

واستضافت، في الإطار، مؤسسة «لاوما فاونديشنت»، في سويسرا، أخيرا، مشروعا هو الأضخم من نوعه، يتجسد في ورشة فنون وشعر في زيوريخ. كذلك موّلت شركة «غوغل»، ورشة فنية في المعهد الثقافي في باريس.

وأقام أوبريست وكاستيز، أيضاً، بالتعاون مع فناني «بلاس 89»، ورشة في «سيربينتين غاليري» في «بارك افينيو ارموري» في مدينة نيويورك. إضافة إلى ورش أخرى في: العاصمة المكسيكية.. وفي غيرها من المدن. ومن المقرر ان تنظم في مطلع العام القادم، في مدينة زيوريخ السويسرية، تحديدا في شهر يناير، ورشة عن الشعر.

تطور متواصل

يتواصل المعنيون بالمشروع مع الجهات الحكومية والخاصة في دول العالم، لتسهيل برامج مشروعهم. وكان الحدث البارز أنه ضم «بلاس 89»، في ربيع هذا العام، عددا كبيرا من الفنانين الجدد، ومن بينهم الأميركية ادريانا راميك (25 عاماً)، التي تركز على تكوين تجسيدات فنية مشغولة بوساطة واستخدامات التكنولوجيا، محورها الانفتاح والتقارب بين الشعوب.

وفي هذا السياق، يجد رئيس الإعلام والفنون في متحف الفن الحديث في نيويورك، ستيوارت كومير، أننا، الآن، وبفضل هذا المشروع، سيكون لدينا أجيال تعزف نغم الإبداع الرائع على ايقاع الإنترنت والتكنولوجيا والفكر، وفي ساحات وجوقات مجتمعات العالم أجمع، لإتاحة صقل وتقوية ألفة الشعوب وتواصلها المثمر.

مصدر عالمي

يلخص أوبريست وكاستيز، مؤسسا المشروع الفني العالمي، رؤيته ومراميه، بالعمل على إتاحة فرص التقاء فناني العالم، لتشارك الأفكار وإنتاج إبداعات فريدة، تستخدم التكنولوجيا وتنضوي في إطار العمل والمنحى الابداعي الرقمي، بغاية تعزيز التقارب الحضاري العالمي، وخدمة القيم الإنسانية.

كما يبينان، أنه يفضي في نهاية المطاف، إلى تكوين قاعدة بيانات عالمية، جامعة، حول الفن والفنانين، في العالم. ليغدو بهذا، مصدرا نوعيا في الحقل، لا يمكن الاستغناء عنه.