مشكلات عديدة تعترض طريق ارتقاء عالم النشر إلى مستويات تقدم مثالية في دول العالم العربي، ومن بينها الإمارات، تضاهي نظيرتها في العالم الغربي، وربما تشكل قضية غياب المحرر المتخصص عن دور النشر إحدى أبرزها، رغم كونها مسألة معلّقة على حبال الحجج المتناقضة والآراء المتقابلة، بين الناشرين والكتاب. إذ، وبينما يتفق الجانبان على أهميتها، تتفرق وجهات النظر حول مدى كون حرص الناشر على توفير محرر لديه حاجة ملحة يجدر وضعها في منزلة الأولوية. وفي العموم، يبقى الثابت أن هذا الأساس الحيوي في عمل دور النشر "الغائب الذي لا يفتقد"، حتى في ظل فوائده وجدواه.
صحيح أن حضور الناشر شرط أساسي في وضع عملية النشر على الطريق الصحيحة، ولكن ذاك، حسب د. مريم الشناصي- أمين سر جمعية الناشرين الإماراتيين- مؤسس "دار الياسمين للنشر"، لا يبدو أو يُصنف في سوق وساحة النشر والثقافة في الإمارات بمثابة الضرورة والحاجة الركيزية. فبعض دور النشر المحلية، أو نسبة غالبة منها، لا يتجاوز عدد إصداراته الـ 20 إلى 30 أو 40 إصداراً، طوال أربع سنوات مضت على التأسيس. وهذا من وجهة نظر أمين سر جمعية الناشرين، حجم إصدارات لا يشجع أو يؤهل لتكون قضية توافر المحرر ولجان التقييم في دور النشر بالإمارات حاجة ملحة يجدر العمل عليها كأولوية، فالعملية لا تزال في خطواتها الأولى.
توجهان
تضيف مريم الشناصي: "أنا لا أعني في حديثي الانتقاص من قيمة وجدوى حرصنا على توفير المحرر لدى الناشرين، فهذا التوجه بناء في طبيعته، بفضل إفرازه منتجا نوعيا يغذي تطورنا الفكري. إلا أنه يبقى رهناً بالناشر وأهدافه، فمنهم من لا يعنيه كثيرا أساس الجودة، ويركز على الربحية على حساب إنتاج إصدارات تخدم المجتمع. وهناك آخرون يهمهم هذا، ولكنهم عاجزون عن مجاراته وتحقيقه بفعل ظروف عديدة، بينها: ضعف حركة النشر والتأليف. وطبعاً لهذا الأمر، وفي ظل ما ذكرت من معطيات، حساسية كبيرة، خصوصاً كون معظم الناشرين غير متفرغين". وتختم مؤسس "الياسمين": "أظن أن المحرر عامل ومحور مساعد وداعم، لا ركيزة".
وجه تدخل
"إننا نفرّخ رقابات إضافية على العملية الإبداعية، ونخلق أمامها أطراً مكبلة، حين نتمسك بمحرري دور النشر ولجانها التقييمية". تلك هي قناعة القاص والكاتب الإماراتي إبراهيم مبارك، إذ يشدد على أن المنتج الابداعي في عملية الكتابة يجدر أن يبقى على الحال التي قدمها صاحبه، باستثناء وجوب خضوعه لعملية التدقيق اللغوي ومنع أية مضامين مسيئة فيه.
ورغم أن تلك القضية ربما تكون مفيدة في إرشاد ومساعدة الجيل الشاب من المبدعين، لا يتردد مبارك، لحظة المفاضلة والاختيار بين حضورها وغيابها، في التأكيد أن عدم مرور المادة (مشروع الكتاب)، على محرر أو رقيب، بأي شكل كان ضمن دور النشر، هو الأصوب والأنجع. فغير جائز أن يحور ويبدل في العمل، حاشا معتقداتنا وعاداتنا، إذ إننا بالّمس بماهية المنتج وشكله، نتدخل في طبيعته.
ويطرح إبراهيم مبارك تصورا عن وجه التعاطي الفاعل في هذا الشان: "أظن أن حرص الكتّاب على تقديم منتج على مستوى عال من النوعية، حصانة لكتبهم ومؤلفاتهم، من أي مساس بها. فعندما نقدم مخطوطا متكامل الاشتراطات، لا أعتقد أن أيا كان بإمكانه التدخل في مشروع الكتاب، وعلينا أن نزيل القيود أمام الكتّاب، ولا نعززها عبر محرر في دار النشر هو بمثابة الرقيب، أو غير هذا. إلا أننا ككتّاب مطالبون أيضا، بمراعاة بلوغ الجودة رفيعة المستوى".
تجربة برهان
تعيد الروائية لولوة المنصوري سبب بروز هنات ومواطن ضعف في العديد من المؤلفات الصادرة في الساحة الثقافية المحلية إلى عامل غياب المحرر المتابع والمدقق ضمن دور وهيئات النشر. وهي تدعو إلى إيجاد سبل عمل وعلاجات كفيلة بإلزام جهات النشر توفير المحرر فيها، لأن هذا التوجه، برأيها، كفيل بإبراز الجودة والنوعية، كمعيارين أساسيين في النتاجات الفكرية والأدبية. وتشير لولوة إلى تجربة لها، تتحدث عنها بحسرة نوعاً ما، إذ كانت قد صدرت لها إحدى المجموعات الشعرية متضمنة هنات كان يجدر أن تعنى بتصويبها جهة النشر. وتضيف: "تعلمت درساً قاسياً مما مررت به. والآن أنا لا أقدم عملي إلا وهو مدقق ومتكامل تماماً، والمفروض أن تتكفل به، أصلاً، دور النشر".
طور تأسيسي
تؤشر دراسات وآراء، عديدة، إلى أن مستوى النشر الحالي لايفرض الأخذ بهذا الأساس العلمي في عملية النشر (المحرر ولجان التقييم)، اقتداء بالناشر الغربي،وذلك لأن النشر مازال في أطواره التأسيسية أو الوسطى في أحسن الأحوال، وعليه فمن الطبيعي تخطي بعض الاشتراطات والحيثيات في مادة ومخطوط الإصدار، لتشجيع الكتّاب وعدم احباطهم، ولهذا أهمية قصوى بالنسبة لفئة الشباب، وهم كثر بين الكتّاب حاليا،خصوصا اولئك ممن لازالوا في بدايات التجريب والممارسة الإبداعية.



