يسكنها الشرق، بثقافته وهمومه وما يعايشه، حيث تقيم حالياً في الجانب الآخر من المعمورة. ولا تتخلف، بتأثير ذلك، عن مواصلة مشروعها الإبداعي الفني، المرتكز الى مجموعة لوحات تشكيلية تعكس الفنانة الأميركية- لبنانية الأصل، هيلين زغيب، عبرها، غنى حضارة المنطقة التي قدِمت منها (الشرق الاوسط)، بمفردات الانفتاح والخير والمحبة.

وتشدد هيلين في حوارها مع «البيان»، على انها ستبقى مشغولة بمهمتها الابداعية تلك، التي ارتأتها واختارتها منذ 25 عاما، الرامية إلى ازالة الفهم المغلوط لدى الغربيين، عن العرب والاسلام، وتقديم فكر وقضايا منطقتنا بصورة صحيحة، ذلك عبر ادوات الفن وتأثيراته. وهي تجمل تعريف منهجها بالقول: إن لوحاتي رسالة حب ووئام وسلام شرقية موجهة الى الغرب.

مشاهدات وذاكرة

مبررات عديدة تسوقها هيلين بينما تشرح اسباب ودواعي تركيزها في لوحاتها على تجسيد اشكال الزي التقليدي في العالمين العربي والاسلامي، بموازاة ملامح البيئة المحلية، بمعمارها وطبيعتها وطقوس عاداتها.

اذ تقول: انا عاشقة لهذا الشرق، بل اني متيمة بمنطقتنا العربية إلى حد لا يوصف، ويعنيني كثيرا ان تكون صورتها في اذهان الاخرين (الغربيين تحديدا)، سليمة وجلية لا يطالها اي تشويه.

ولا انكر اني متأثرة بمشاهداتي ومعايشاتي في مسقط رأسي لبنان، وذلك قبل ان اهاجر مرغمة بفعل الحرب، الى اميركا (عام 1975). إذ خزنت ذاكرتي اللون واشراقه من الشرق.. وكذا لم تفارقني يوماً جماليات عاداتنا وبساطة حياتنا.

وايضاً قيمة معتقداتنا واصالة تعاطينا الحياتي بعيدا عن التشدد والذي هو دخيل ومراده أو مبعثه اعتزام كثيرين الانتقاص من تميز رفعة الأديان وسماحتها، في منطقتنا، أرض الرسالات. وكان قصدي منذ البدايات، توضيح هذا الاساس للغربيين. وافهامهم اننا اهل حضارة ورسالة فريدة. و

اننا ضحايا التشدد والتشويه الاعلامي، معا. فنحن ذوو تاريخ ناصع واثر كبير في مسار الارتقاء الفكري الانساني. وحرصت ان اترجم هذا التوجه بأعمال فنية تشكيلية غدت تلقى في اميركا كبير الشعبية، وتحدث تأثيراً ايجابياً في سياق ما ارمي اليه.

25 عاماً

لا تتردد هيلين في تأكيد انحيازها الى الرأي العلمي القائل ان التشكيل والابداع لا تقتلهما او تثقل كاهلهما الرسالة، وانما تؤكد انها لا ترى اعمالها الا منضوية في اطار رسالة وهدف حرصت ان تشتغل عليهما منذ ربع قرن، وتضيف: ليس اجدى وابلغ من الفن في حمل رسالة سامية كالتي تدور في فلكها لوحاتي.

فعندما تصنع اللوحة وانت مسكون بلحن السلام وتتنفس الرغبة العارمة في تحقيق الوئام والتفاهم النوعي بين حضارات العالم، فإنك ستعيش حالات شعورية لا كلمات يمكن ان توفينا في وصفها.

وهنا تكون الرسالة والفن روحا متمازجة تردد نشيد الحب العالمي. وانا لا اجد نفسي الا في هذا الفلك. وليس من مذهب ابداعي يجتذبني في الفن ما دام قصيا عن البعد ذاك. انا بالمختصر فنانة مهجوسة بالرسالة.. مهمومة بشرقنا وما يعانيه.

وجوه

تغلب على لوحات هيلين، هيئات الوجوه، ولكنها من صنف الوجوه الخالية من ملمح الهوية الشخصية المحددة والمعرفة. إذ تظهر تشكيلات لوجوه مطموسة المعالم، ولكنها توحي الى منبت وزي اسلامي. وعن ذلك تقول: اني اروم في هذا النهج، ومن خلاله، خلق جدل ونقاش جذري، مع المتلقي الغربي.

فالوجوه الخالية من الملامح اشارة الى ضرورة ان نحض انفسنا على ان نتقرب من الآخر والشعور بأنه نحن وبأننا هو. فالوجه والانسان قيمة بحد ذاته، ايا كان انتماؤه او مسكنه او مذهبه. وبذا لا بد ان نتقرب منه ونطرد شبح وخطأ اعتباره عدوا.

والفت الى اني اعتنيت اكثر بالتوسع في لوحاتي من هذا القبيل، معتنية بتصويب الصورة عن العرب والاسلام خاصة بعد احداث 11 سبتمبر، وذلك لما لمسته من حقد وسوء فهم حولنا، رسخ وتعزز لدى الاميركيين والغرب عامة.

نجاح

أشواط مهمة قطعتها هيلين في صدد الوصول الى ما تحمل من رؤى. ولكنها لن تقف عند هذا الحد. فلا يزال هناك الكثير في جعبتها: لا اظنني ابالغ حين القول اني فعلا، انجزت خطوات نوعية في سياق ما اتبناه واجند فني وعلمي له. فمجموعة من الغربيين، بشرائحهم الفكرية والمجتمعية المتباينة، شكلت لوحاتي بالنسبة لهم، دليلا جديدا لفهم حقيقة الشرق والعرب والاسلام.

ولكني لا ازعم هنا اني اكتفيت ووصلت الى ما ابتغي. فلدي ما اقدمه اكثر في هذا الحقل، خاصة عقب ما ما وصلته من مستويات شهرة ونجاح في الوسط الفني والابداعي العام ضمن الولايات المتحدة.

شهادة

توصيف مختصر، معبر، تجمل فيه هيلين رأيها حول الحياة والثقافة والفن في الإمارات: زرت الإمارات مرة واحدة، حيث عرضت لوحاتي وشاركت في بعض الفعاليات الفنية. الا اني ما وجدته وقرأته فيها، هو ان السلام والمحبة رسالة عمل وامل وتطبيق، يومية، هناك، ذلك في شتى ميادين الحياة: في الفن.. في الثقافة.. في الفكر.

واعتقد ان الحراك الثقافي النوعي في دبي، ومن ضمنه الفني التشكيلي، اصبح متعدياً للمشهد الاقليمي، كونه غدا ذا شهرة ومكانة عالمية بحق.

بطاقة

هيلين زغيب، فنانة تشكيلية أميركية، لبنانية الأصل. تقيم في الولايات المتحدة. حاصلة على البكالوريوس في الفن التشكيلي، تقيم في أميركا منذ العام 1975. لديها مجموعة من المعارض والمشاركات العالمية. وحققت في الفترة الأخيرة نجاحات مهمة في الساحة الإبداعية الأميركية، تككلت بوجود عدد من لوحاتها في مكتبة الكونغرس.