«مومارتر» أحد أقدم شوارع باريس وأجملها، من أعالي هضبته بالدائرة الـ18 يطل بكل شموخ وعلو على باريس الجميلة، معروف بأزقته الضيقة التي ترسم فسيفساء في تصاعدها وتنازلها تجعلك تلمحها من بعيد، وببيوته الصغيرة والملونة التي تزيد من سحره وجاذبيته، معروف بفنانيه الذين تغنوا عبر العالم بالروح الجمالية التي تسكن المكان منذ سنوات، وبرساميه الذين صنعوا صيته على مدار قرون في فرنسا وخارجها فصار الملايين يأتونه سنويا لاكتشاف عوالمه الروحانية التي جسدها هؤلاء الفنانين ببصماتهم على ورق مقوى، عشقوا الحي فأسكنوا أرواحهم فيه للأبد.

منه مر فان غوخ وأخيرا وليس آخرا، بيكاسو الذي يعود للحي 41 عاما بعد رحيله، من خلال سلسلة معارض جاءت من تنظيم بلدية باريس وتدوم لغاية نهاية شهر أغسطس الجاري، تكريماً للفنان الذي لا يزال سفيراً للفن التشكيلي في الخارج حتى بعد وفاته، ورائد التكعيبية الذي بهر محبي الفن بلوحاته، وبعد نحو نصف قرن من وفاته لا يزال يصنع متعة محبي الفن التشكيلي في «مومارتر».

بين بيكاسو ومومارتر قصة قديمة، ففي بداية القرن الماضي، قضى الرسام والفنان التشكيلي الكاتالوني أجمل أيامه، من قصص عشق، مرورا بفترة صعبة تخللتها بعض الغيوم السوداء التي عبرت حياته، وبينهما كانت مرحلة إبداع فني متميز، جعله يكون أحد أشهر الفنانين في القرن العشرين وينسب إليه الفضل في تأسيس الحركة التكعيبية في الفن.

لا يزال مومارتر الذي سكن فيه طويلا على غرار الكثير من الفنانين والسينمائيين والأدباء فناناً يحفظ عطاءه بين أزقته الضيقة، ومتاحفه الصغيرة، والكثير يسأل عنه أو يريد القدوة به في ساحة تارتر (ساحة الفنانين) التي صارت قبلة للرسامين من مختلف أنحاء العالم.

البرنامج الفني الذي يعيش أيامه الأخيرة حيث بدأ تنظيمه اعتبارا من 28 مارس ولغاية 31 أغسطس الجاري، جاء عبر أربعة محاور رئيسية وهي: معرض بيكاسو في مومارتر: «الرسوم الكاريكاتورية بابلو»، زيارة ومحاضرات حول معرض بيكاسو في مومارتر، ورشة بيكاسو، وأخيرا مسارات: «على خطوات بيكاسو».

فعندما كان بيكاسو عمره نحو عشرين عاماً، هذا ما تمحور عليه الجزء الأول في هذه التظاهرة الثقافية التي خصصها مومارتر لابن الحي بالدائرة الـ18، من خلال كتاب من الرسومات المرفقة بنصوص صغيرة، لصاحبيه جولي بيرمو، وكليمو أوبريري، والذي نشر عام 2012 عن دار نشر «دارغو». وبمناسبة صدور الطبعة الرابعة والأخيرة من هذه السلسلة، أراد متحف مومارتر إعطاء الفرصة للجمهور لاكتشاف هذه النصوص والرسومات التي جسدت بيكاسو في أشكال كثيرة، مرفقة ببعض اللوحات والأعمال الفنية للفنان. وحاول صاحبا العملين، إعطاء صورة عن حي مومارتر سنة 1900، من خلال يوميات وأعمال بيكاسو، حي ينبع حباً، وفناً، وإبداعاً وشعراً.

وجهة الفن والثقافة

يبقى حي مومارتر بكنيسته «القلب المقدس» بمقاهيه القديمة ومتاحفه الصغيرة، وخاصة ساحة رساميه أو ما يطلق عليها ساحة «تارتر»، الواقعة على تل يفوق ارتفاعه 130 مترا، من الأماكن العشرة الأولى الأكثر زيارة في فرنسا.

فقبل الثورة الفرنسية (1789م) كان يمثل مومارتر (شمال باريس) مكاناً للعبادة حيث توجد فيه العديد من الكنائس، أشهرها كنيسة ساكري كور (القلب المقدس) التي يأتيها سنويا نحو عشرة ملايين مؤمن من كافة أنحاء العالم. في القرنين التاسع عشر والعشرين كان مومارتر مكاناً للفن والثقافة، حيث كان يلتقي فيه الرسامون والفنانون والمطربون والكتاب.